الجمعة، 12 مارس، 2010

الحلقة الثانية عشرة : الصدام و الحريقة

الصدام والحريقة
كانت الزنازين في سجن القناطر تفتح من قبل الحراس في تمام الساعة الثامنة صباحًا..... ونظل من هذه الساعة حتى السادسة مساءًا في فناء السجن وننتقل بين أدواره المختلفة....
لقد كانت العلاقة حميمة بيننا وبين المسجونين الجنائيين بالسجن.... من خلال المعاملة الطيبة لهم.... ومن خلال توزيع الأدوية عليهم من قبل لجنة الإعاشة....... حيث كانت مستشفى السجن لا تقدم أي رعاية طيبة لهم، ومن خلال معارف شخصية وعائلية أوصى على أخي فؤاد خليل أحد ضباط السجن برتبه نقيب يدعي النقيب عصام، وكان الضابط يتعامل معي بود...
بعد عدة أيام من مظاهرة 21 مارس بالجامعة ومعرض السجن بالجامعة..... فوجئنا في أحد الأيام بعدم فتح الزنازين كالمعتاد في الثامنة صباحًا...... أوهمونا في البداية أنه توجد حملة تفتيش مفاجئة على السجن وستفتح الزنازين بعد ساعة ثم بعد ساعة أخرى وهكذا...... وظللنا حتى الواحدة أو الثانية ظهرا داخل الزنازين بلا دورات مياه ولا مياه، ودون زيارات..... فقد تم منع الزيارات.... حيث إننا قمنا بترتيب جدول الزيارات على الأهالي وكان يوميا يحضر أكثر من 5 أو ستة زيارات من أهالي الطلاب..... أخذنا نطرق على الأبواب دون جدوى... قفلت جميع الزنازين على السياسيين والجنائيين .....فرق من العساكر وقوات الأمن المسلحة بالكرابيج والعصي بدأت تدخل عنبر السجن..... صعدت إلى الشباك فوق باب الزنزانة أخذت أهتف شعارات حركة الطلاب والزنازين تردد..... جاء النقيب عصام وفتح باب الزنزانة... كنت بداخلها أنا وأربعة من الزملاء... قال لي:
أخرج خارج الزنزانة..... خرجت وجدت نفسي محاطًا بما لا يقل عن 40 عسكري من جميع الجهات... قال لي النقيب عصام:
" "مش تحترم نفسك"...... أستدار إلى الخلف ثم إلى الأمام..... وصفعني بشدة وبقوة على وجهي بالقلم.... كنت حافي القدمين وأرتدي بيجامة من الكستور......
دفاعًا عن نفسي ففي آخر منطقة شاهدته فيها ركلته بقدمي..... ولا أعرف إن كانت هذه الركلة قد جاءت فيه أم لا... حيث أن صفعة القلم كانت قوية. وما كنتش شايف أي حاجة قدامي..... ولم أحس إلا بجسدي يجر على أرضية العنبر وبلاطه وتنال على جسدي الصفعات والشلاليت والعصي والكرابيج..... وقد شلحوا سترة البيجاما عن جسدي.... وكانت علقة ساخنة......
وسمعت صوت الكلب النقيب عصام:
خدوه على عنبر التأديب...... وأخذوني على عنبر التأديب .......
"أنا ما هنت في وطني ولا صغرت أكتافي... وقفت في وجه ضلامي يتيمًا عاريًا حافي".......
والقوني داخل أحد الزنازين على الأرض..... كان مغشيًا عليّ من شدة الضرب... أخذت استجمع قواي وأمسح الدم من على بعض الجروح واتحسس وجهي من ضربة القلم.....
بعد أخذي على التأديب.... شكلوا طوابير وتشريفة طويلة من عنبر السجن حتى عنبر التأديب... وكان الطابور يتشكل من صفين متوازيين... المسافة بينهما متر واحد...... ويقف العساكر مسلحين بالكرابيج والعصي متراصين إلى جوار بعضهم...... بحيث يسير المعتقل بين الصفين وينهال عليه الضرب من الجانبين......
فتحوا أول زنزانة وسار أفرادها يضربونه بين طابورى التشريفة...... "مسافة حوالى 400 متر"......
وبعد أن رأت الزنزانة المجاورة ما يحدث للزنزانة السابقة... قام أفراد كل زنزانة بالضغط على الباب وعدم تمكين العساكر من فتح باب الزنزانة حيث أن باب الزنازنة كان يفتح إلى الداخل... ولما عجزت قوات الأمن عن فتح باب الزنازين..... قاموا بإحضار خراطيم المطافيء الضخمة...... وأطلقت المياه من باشبوري كل خرطوم نحو الزنازين..... خرطوم يطلق المياه من الشباك فوق باب الزنزانة....... وخرطوم آخر يطلق المياه من الشباك الآخر الذي يطل على فناء السجن.......
خلال دقائق قليلة تغرق الزنزانة بالمياه....... ويضطر الطلاب بداخلها للخروج خارج الزنزانة........... ويجبروا بالضرب والمطاردة على الدخول على مصيدة طابور التشريفة وملابسهم مبتلة.... وكان الجو شتويًا حيث كانت هذه المعركة حوالي يوم 25 مارس 1973 تقريبًا..... ضرب وعصي مع رجفة من الرش بالمياه وبرودة الجو، هكذا تم سحل السبعون طالبًا داخل سجن القناطر...
ودائمًا لكل معركة أبطالها... وبطل هذه المعركة هو الطالب:
جلال مقلد "محافظة كفر الشيخ".....
خرج جلال من زنزانته مستسلمًا....... صارخا:
أنا مليش دعوة باللي بيحلص لزز "وبعد تلقيه عصا والثانية توجه ناحية النقيب عصام قائلاً: "أنا حرمت خلاص أنا ماليش دعوة باللي بيحصل........ صرخ ضابط في عساكره قائلاً لهم:
سيبوه لا تضربوه أجلس هنا على جنب......
هنا أدرك جلال مقلد أن خطته قد نجحت.... لأنه خرج من الزنزانة مصممًا على الخديعة والإنتقام لزملائه... فجلس قرفصاء على الأرض يتحين اللحظة المناسبة.....
وفي لمح البصر..... جرى جلال مقلد وركل قدمي الضابط عصام من الخف بمشط رجله..... وكان الضابط يرتدي الحذاء الميري والأرض غارقة بالمياه...... فترنج الضابط متزحلقًا نازلا بكامل جسده على أرضية العنبر..... بعد أن طار الكاب من فوق رأسه.... وكان منظره مخزيًا وسط جنوده والذين أنهالوا على جلال مقلد بالضرب المبرح حتى أغمى عليه....وتركوه مغشيا عليه على الأرض.....وأستداروا ليكملوا الضرب فى باقى الطلاب.......
أفاق جلال مقلد من غيبوبته فقام مسرعًا ومن الخلف طرح الضابط للمرة الثانية على الأرض!!!!!!!
وتحول بعد ذلك إلى قطعة من العجة بين أيدي العساكر والضباط......
تم ضربنا بوحشية شديدة، ونقلنا جميعًا إلى عنبر التأديب، وقام الضباط بحرق أحد الزنازين، أشعلوا فيها النيران عن عمد ........لا يستطيع الضباط أن يقولوا:
"إننا قد دبرنا هذه المجزرة الوحشية ضد الطلاب.... لأنهم غافلونا وأخرجوا معرضًا مصورًا بالمجلات والفانلات من داخل السجن إلى الجامعة... مما أدى إلى توقيع الجزاء والعقوبة علينا".........
لقد دبروا هذه العلقة الساخنة للانتقام منا، وسار التحقيق في إتجاه :
أننا قمنا بتمرد داخل السجن.... وحرقنا أحد الزنازين..... فتم تأديبنا ومواجهة التمرد... ونقلنا لعنبر التأديب...!!!!!!!!!!
في عنبر التأديب منع عنا الطعام والزيارات...... وجاءوا إلينا بطبيخ السجن وأرز و عدس وقد رشوا عليه الكيروسين!!!!!!!!
وأعلنا الإضراب عن الطعام جميعًا دفعة واحدة...
وف اليوم الرابع حضر النقيب عصام قائلاً ومتوددًا للبعض منا:
- عندكم جلسات أمام القضاء وقد أحضرت لكم جميع ملابسكم (ملابسنا الشخصية التى صودرت أثناء العركة)...ورفضنا جميعا نزول الجلسات.........
وأستمر النقاش......ودارت مفاوضات..... ووصلت لجنة الإضراب لإتفاق:
نزول الجلسات مقابل فتح الزنازين على الجميع.... وإحضار ملابس الجميع.... وتركيب العديد من الحنفيات واللمبات داخل التأديب.... وتحسين الأمور بشكل عام......
ونزلنا الجلسات... وحكينا للطلاب وأمام القضاة كل ما حدث لنا طوال الأيام السابقة......
وبعدها بيومين كانت هناك مظاهرة يالجامعة تندد بما حدث.......
أما عن التأديب فلم يعد تأديبا وإنما حولناه إلى جنة وندوات.
الترحيل إلى سجن القلعة
بعد أن تحول عنبر التأديب إلى جنة... وأصبح عنبرًا أستجمام لا تأديب.. جاءت زيارة لي مكونة من أمي وأخي محمد خليل..... وفي هذه الزيارة أبلغني أخي أنه:
تم القبض على أحد أبناء حينا واسمه "علي سعد"....... وأنه بيقول أنهم مسكوه من شقة بشارع الهرم وحاولوا الضغط عليه للاعتراف عليك وعلى زملاءك بالكلية...... لكنه رفض ذلك.... وضربوه وقالوا له:
نحولك لشاهد ملك في القضية..... لكنه رفض أن بعترف على أحد.... وقال: أن الشقة دي هوه كان يستأجرها لوحده... ومفيش أي علاقة بينه وبين الطلبة والسياسية.
وبعد أسبوع أفرجوا عن علي سعد، وهو طلب مني أن أبلغك بذلك...
انتهت الزيارة ومن خلال ما حكاه محمد خليل عرفت أن الشقة التي استأجرناها بشارع الهرم.... وهربت فيها مع زملائي المطاردين تم إكتشافها.. لقد عرف السر الذي أخفيته على مباحث ونيابة أمن الدولة طوال الفترة الماضية... كنت أثق أن علي سعد أبن حينا لن يعترف علىّ ولا على أحد من زملائي بحركة الطلاب .....لقد كان على سعد همزة الوصل بيننا... كان ينزل إلى الجامعة يراقب كل ما يحدث عن بعد.....حيث كان ينزل إلى الجامعة زميل واحد حتى إذا قبض عليه ينزل الثاني..... وكان علي يراقب الزميل الذي ينزل ويتتبع تحركاته ويخبر المجموعة بالقبض أو عدم القبض عليه... كيف قبض عليه؟!! وماذا حدث؟!!
كل هذه الأسئلة كانت تدور بذهني ولا أجد إجابة عليها... لقد أنتهت الزيارة... وعدت إلى الزنازين...
وبعد ساعة من انتهاء الزيارة...... تم نداء أسمي... ترحيل إلى سجن القلعة.
صعدت سيارة الترحيلات إلى سجن القلعة..... أدخلت زنزانة رقم 8 حبس أنفرادي.. الأسئلة تطارد رأسي... يه؟ ماذا حدث؟ لماذا تم ترحيلي إلى سجن القلعة؟
فى لاظوغلى تحملت الضرب والصفع من كلاب مباحث أمن الدولة من أجل ألا أعترف على مكان زملائي... ينبغي أن أصمد..... خمنت الوقائع كالتالي:
تم القبض على سعد لسبب ما "مش مهم معرفته".....
علي سعد أنكر معرفته بي وبزملائي حتى لا يعترف علينا.....
علي سعد رفض أن يقول الحقيقة وقال أن الشقة كان يستأجرها بمفرده من أجل علاقات نسائية خاصة به حتى لا يعترف على أحد.
ظللت طوال اليوم أفكر..... في الثمانية مساءًا جاء بعض ضباط مباحث أمن الدولة وأخذوني في سيارة خاصة..... نزلوا بالسيارة من القلعة إلىشارع صلاح سالم إلى جامعة القاهرة.... ووقفوا بالسيارة عند تمثال نهضة مصر أمام كلية الهندسة وأنا صامت... سألتهم انتوا هاتحققوا معايا جوه كلية الهندسة؟!
قالوا: لا أحنا بس جايبينك جنب الجامعة والكلية... علشان تشوف كلية الهندسة لآخر مرة... لأن النهاردة صدر قرار بفصلك من الكلية... أجابتهم بكل برود: طز في أتخن كلية هندسة... لا يشرفني أكون مهندسًا ...وأنا لو أترفدت من كلية الهندسة ها أجيب عربية فول وها أبيع فول قدام الكلية وبرضه هنعمل مظاهرات وهنقول:
"مش معقول.... مش معقول..... سرقوا الشعب الواكل فول"
أبتسموا وادركوا أن حربهم النفسية لم تفلح... ساروا بي نحو محكمة بشارع السودان بعد ميدان الكيت كات ... صعدوا بي على غرفة وكيل نيابة يدعي أحمد رفعت أخذ يسأل:
وأنا أرفض التحقيق إلا في وجود محامي ...نفذت تعليمات أحمد شرف المرة دي بشكل صارم....
وظل ذلك يتكرر لمدة ثلاث ليالي متتالية...... وأنا أرفض أن التحقيق يجري في الواحدة أو الثانية صباحا وبدون محامى ...
في الليلة الرابعة دخلت التحقيق وبدون محامي..... كنت أريد أن أعرف ماذا يريودون بالضبط ؟
وأخذ وكيل النيابة يسأل ويسأل وكلها أسئلة فارغة..... ويدور ويلف ....
وأدركت أن ذلك كله يخفي بهدف قنبلة على سعد... إلى أن بادر بسؤاله:
- هل تعرف علي مسعد علي؟... فأجبت: سيادتك تقصد علي سعد علي
فنظر على أوراقه قائلاً: نعم.... علي سعد علي... يعني تعرفه؟!!!!
قلت له: نعم أعرفه... فبدأت شهيته تنفتح للأسئلة: كيف ومتى وأين؟...
قلت له: علي سعد أبن الحي الذي أسكن فيه.. وحينا ضيق وكلنا نعرف بعضنا وعلي سعد شاب ليس له صلة لا بالسياسة ولا بحركة الطلبة.
قال: لقد ضبط في شقة بشارع الهرم...
قلت له: وما علاقة هذا بالسياسة؟ وبحركة الطلبة؟
يعني هوه كل واحد مستأجر شقة في شارع الهرم يبقى له صلة بحركة الطلبة!!!
قال وهو يرفع منديل من القماش من على مكتبه وأخذ يجفف به عرقه:
- أعترف علي سعد بأنه ينتمي معك لتنظيم سري يهدف قلب نظام الحكم، وأن الشقة المستأجرة بشارع الهرم كانت تضم الهاربين من أعضاء التنظيم بكلية الهندسة، وأن علي سعد كان همزة الوصل بينك وبينهم ما رأيك في ذلك؟
لاحظت أثناء السؤال أن كاتب التحقيق لم يكتب هذا السؤال... فقلت:
- لن أجيب على السؤال إلا إذا كتب في محضر التحقيق... وقف مرتبكًا: نأن أن
- لا أحنا بنسأل الأول وبعدين هنكتب كل سؤال وجواب... فقلت له:
- علي سعد ليس له صلة بالسياسة... كل العلاقة معه أنه من أبناء حي داير الناحية الذي تربيت فيه ومفيش تنظيم سري... ونظام الحكم بتاعكم هوه مقلوب لوحده ومش محتاج حد يقلبه.....
وأخذ يلف ويدور حول موضوع شقة الهرم.. وكتب إجاباتي: لا أعرف شيئًا عن ذلك...
لكن وكيل النيابة لم يسجل أي سؤال سأله ولا أي إجابة أجبت... ولما سألته لماذا لا يكتب كاتب الجلسة الأسئلة والأجوبة
فهمت أنه عندما رفع المنديل من على المتب كان تلك إشارة متفق عليها مع كاتب الجلسة بألا يسجل الأسئلة... لأن أسئلته كانت غير حقيقة......
فعلي سعد لم يعترف على شيء .......وإنما كان يريد أن يربكنى عند سماعى بإعترافات من علي سعد وتنظيم سري وقلب نظام الحكم... يمكن يوصل لشيء...
أنقلب التحقيق بعد ذلك عن مظاهرة 11 فبراير بميدان الجيزة... والتهمة أنني اشتركت في مظاهرة كان من شأنها تكدير السلم العام.. نعم أنا اشتركت في مظاهرة الطلاب بميدان الجيزة.
وأقفل التحقيق و تم ترحيلي في اليوم التالي ثانية إلى سجن القناطر حيث عنبر التأديب والاستجمام..
وحينا عدت إلى سجن القناطر أخذت أجمع جميع الجرائد اليومية طوال الفترة امضيتها بسجن القلعة تحت الحبس الإنفرادي..... لأتابع ماذا جرى فقد حجبت عني الجرائد طوال هذه الفترة...
وكانت مانشيتات الجرائد في هذه الفترة وفى أحد خطب السادات على:
شقة شارع الهرم..... وتنظيم شروق....
فقد تم القبض في هذه الفترة على المناضلين:
نبيل الهلالي ومحمد علي عامر وأديب ديمتري وجميل حقى وآخرين بتهمة الانتماء إلى شروق وظلوا معتقلين بسجن القلعة لعدة شهور... أما السادات فقد قال في أحد خطاباته:-
"لقد ضبطنا التنظيمات السرية وراء حركة الطلبة....... لقد استأجروا شقة في شارع الهرم لتدبير المؤامرات ضد نظام الحكم...... من أين أتوا بالأموال؟...الخ"...
الشقة بالفعل كانت في شارع الهرم بجوار الأندلس بعد محطة التعاون... شقة مفروشة كان إيجارها الشهري 25 جنيه... جمعنا فيها كل الهاربين والمطلوب القبض عليهم من طلبة كلية الهندسة.... نعم لندير منها المظاهرات التي تطالب بإلافراج عن زملاءنا الذي تم إعتقالهم و للإختفاء من أعين الشرطة.
مبلغ 25 جنيه شهريًا في ذلك الوقت كان مبلغًا كبيرًا بالنسبة لنا كطلاب حقًا.....لكنه كان تافهًا بالنسبة لحركة طلابية تضم الآلاف ولها الآلاف من المتعاطفين معها.
لقد تم معرفة المكان من قبل جهات الأمن، لكن بعد أن تم القبض على جميع الهاربين من الشارع ومن المظاهرات ولم يعترف أحد من الهاربين على مكان الشقة، وبخطأ من أحد الطلاب "من غير الهاربين" كان قد تعرف على المكان عرفت جهات الأمن المكان فنصبت كمينًا محمكًا بدال خ ومن حوله...
أما أبن حينا علي سعد حينما وجد الجميع قد تم القبض عليهم فإنه قرر الذهاب إلى المكان وأخذ كتبه وملابسه وترك المكان..... لم يكن يعرف أن المكان قد إكتشف من قبل أجهزة الأمن..... فتح علي سعد باب الشقة وضع يده على مفتاح الكهرباء بجوار الباب فجأة.... وجد أمامه نصف دستة من ثيران أمن الدولة ومخبريها جالسين في الصالون في إنتظار الفريسة...... قفل باب الشقة وأشبع الثيران علي سعد ضربًا مبرحًا.. أخذوا بطاقته عرفوا من عنوان السكن "شارع داير الناحية" أنه أكيد صديق لي وله صلة بالسياسة.. جروه إلى مبنى جابر بن حيان... صار الضغط عليه من أجل الإعتراف ......لقد كان علي سعد "رحمه الله" عضوًا معي بتنظيم الشروق، .. كان علي سعد يخفي بمنزله أرشيف كاملاً للأوراق السرية لتنظيم شروق...... لم يخرج منه رجال مباحث أمن الدولة بكلمة واحدة ولا نصف معلومة رغم أن هذه المواجهة كانت هى المرة الأولى له في التعامل مع أجهزة شرسة وعاتية..... ورغم أنه تعرض للتعذيب الشديد والإهانة.... ورغم أنه أيضًا تعرض للإغراء المادي الشديد في حالة إعترافه والتجاوب معهم... يا سلام يا علي سعد... يا أغلى الرجال ويا أعز أبناء داير الناحية ...... هذه هي القصة كاملة عن تنظيم شروق وشقة الهرم....أرويها تفصيلاً بعد مرورسنين طويلة على تاريخها.... كان بطلها الحقيقي علي سعد..... مثلاً لمن يعملون ويناضلون ويكافحون في صمت.... ويرحلون أيضًا في صمت... هكذا هم الشرفاء دائمًا.
نضالنا أعتبره النظام ورئيسه ورجال أمنه مؤامرة وعمالة وتمويل.....
أما نحن فقد كنا ندافع عن حركة طلابية.... وعن حقنا في بناء تنظيماتنا المستقلة..... وحقنا في مقاومة نظام ديكتاتوري.... طبعًا نراوغ في التحقيقات ونخفي الحقائق لأننا أمام سلطة تحقيق غير عادلة وغير شرعية ...
والذي لا تعرفه أجهزة الأمن حتى الآن أن بعد القبض على علي سعد بثلاثة أيام ذهب الضابط الاحتياطي صديقنا ومسئولناً بتنظيم شروق..... لينهي عقد الشقة ولم يكن يعلم أن علي سعد تم القبض عليه، ففوجئ بصاحبة الشقة تصرخ في وجهه وتقول له:
- يبقى أنت مع الشاب اللي أتمسك من يومين.... لازم أبلغ المباحث ......"وبدأ صوتها يعلو ويرتفع" :
ضباط المباحث قالولي لازم تبلغي على أي حد يبجي الشقة دي...
وتصرف الضابط الاحتياط بحنكة رائعة قائلاً لها:
- ليه ليه حرام عليكي.... الناس اللي قالولك أنهم ضباط أمن دولة وقبضوا على الشاب.. دول مش أمن دولة ولا حاجة.... دول ضحكوا عليكي..... أحنا علينا تار في الصعيد... وهمه خدوه عشان يقتلوه..... روحي يا شيخة ربنا يسمحك.
فصمتت السيدة وهي في حالة ذهول: تار... صعيد..... أمن دولة......
أنا مكنتش أعرف ولاد الكب قالوا أنهم ضباط مباحث!!!!
وأنسحب صديقنا ومعلمنا ومسئولنا بتنظيم شروق من أمام السيدة في هدوء..... متصنعًا البكاء والألم..... وترك السيدة وهي حزينة ومندهشة..... لقد كان هذا الإنسان العزيز صيدًا ثمينًا .......لكنه لم يقع في شباك أمن الدولة وقتها....
مر شهر أبريل بعنبر التأديب في سجن القناطر، وفي أوائل مايو تم ترحيل كل الطلاب لسجن طرة لأداء الامتحانات، ولم يبق بسجن القناطر إلا غير الطلاب.....
وتم تجميع الطلاب من جميع السجون في عنبر واسع مفتوح "بسجن طره العمومي" كان يسمى عنبر السينما... وكانت أيام للمذاكرة......
كنت قبل الغروب أصعد علي شجرة كبيرة وأتسلقها.... وكانت العملية سهلة لضخامة جذوع الشجرة... كنت من فوقها كاشفًا لكورنيش النيل... وما أجمل النيل في هذه المنطقة...... "فعلاً السجن مطرح الجنينة"....
وفي يوم من الأيام رحت في نوم عميق أعلى الشجرة.. وثم قفل عنبر السينما على الزملاء ....وتم تبليغ إدارة السجن بهروب أحد الطلاب.... وظلوا يبحثون عني لولا أن أحد زملائي كان يعرف أنني أصعد كل يوم إلى الشجرة... فجاء وأيقظني.... وعاد الهارب لعنبر السينما......
وفي أوائل شهر يونيو صدر قرار الاتهام بشأن القضايا الطلابية... ونشر على صفحات جريدة الأهرام "تقريبا يوم 5 يونيو أو 6 يونيو عام 1973"....
كما تسلم كل من الطلاب المتهمين نسخة من قرار الاتهام، أما الطلاب الذين لم يرد أسمهم بقراري الإتهام فقد تم الإفراج عنهم.....
وصدر قرار الاتهام على قضيتين:-
القضية الأولى:
كانت تضم أحمد عبد الله رزة وسهام صبري وآخرين متهمين بالتحريض والآثارة ومعهم كل من قبض عليهم في 29 ديسمبر 1973.
القضية الثانية:سميت بقضية تنظيم الجيزةوكانت تضم الهاربيين وقصة شقة الهرم وكافة العناصر التى أشتركت فى أحداث 1973 وقبض عليها .
وفي أول شهر يوليو وعقب انتهاء الامتحانات الطلابية عاد من تبقى من الطلاب مرة ثانية إلى سجن القناطر بعنبر التأديب..... وطوال شهري يوليو وأغسطس توالت الإفراجات عن الطلاب..... وفي أوائل شهر سبتمبر لم يتبقى بسجن القناطر سوى ثلاثة من الحركة الطلابية:
كمال خليل "هندسة القاهرة"،
أحمد هشام عبد القادر "خريج هندسة القاهرة وأحد المؤسسين الأوائل لجامعة أنصار الثورة الفلسطينية "،
محمد نعمان كلية الزراعة جامعة القاهرة".
وأفرج أيضًا عن جميع الطلاب بباقي السجون..... ولم يتبقى بسجن القلعة بالإضافة إلى ثلاثة سجن القناطر سوى الآتي أسمائهم:-
1- إبراهيم عزام "هندسة القاهرة" 2- أحمد بهاء شعبان "هندسة القاهرة"
3- طلعت فهمي "هندسة القاهرة" 4- حلمي المصري "هندسة القاهرة"
5- سحر عبد المنعم الصاوي "ابنة وزير الثقافة"
هؤلاء الثمانية ظلوا بالسجن حتى 3 أكتوبر 1973 في سجنى القلعة والقناطر.
أنا وهشام ونعمان ظللنا معًا في زنزانة واحدة بسجن القناطر.... حتى جاءت حوالة ب عشرة جنيهًا لزميلنا نعمان....... فسهرنا طوال الليل نضع ميزانية حرب لإنفاق العشرة جنيهات .....لكها تم مصادرتها من قبل إدارة السجن مقابل البطاطين التي قمنا بحرقها أثناء التمرد في السجن...... "يقصدون البطاطين التي حرقوها حتى يداروا على خيبتهم في موضوع تهريب المعرض!!!!!!!
على منتصف سبتمر جاء إلينا إلى سجن القناطر "إبراهيم وبهاء وطلعت وحلمي" وأصبحنا سبعة بسجن القناطر، وسحر الصاوي وحدها بسجن القلعة.
أبلغني أحد الزملاء بحلقة شروق أن هناك اتصالات من قبل التنظيم برئيس منظمة الشباب كمال أبو المجد من أجل الإفراج عنا... قلت له:
أنا أرفض ذلك.... سيتم الإفراج عنا حينما تفتح الجامعة..... من خلال مظاهرات الطلاب ....لا من خلال التفاوض مع الدولة.
في 28 سبتمبر وأثناء خطاب السادات في المساء ....قامت إدارة السجن بتشغيل الإذاعة الداخلية وسمعنا الخطاب الذي قال فيه السادات:
"لقد أمرت بإسقاط قضايا الشباب من أمام المحاكم... وأمرت بالإفراج عن جميع الطلاب..."
ظللنا بالسجن حتى يوم 3 أكتوبر، وأفرج عنا ولم نكن ندري أن يوم 6 أكتوبر 1973 سوف يكون يومًا تنتهي فيه حالة اللا سلم واللا حرب ويوما لعبور قناة السويس... خرجنا من السجن يوم 7 رمضان وكنا قد أمضينا داخل السجن 7 أيام من رمضان... عدنا إلى الديار بعد 7 شهور وأثنان وعشرون يومًا.
خرجنا إلى الأهل والأصدقاء... أخذنا نحفظ من زملائنا أغنية زين العابدين الجديدة من تلحين الشيخ أمام عيسى:
"أتجمعوا العشاق في سجن القلعة... أتجموا العشاق في باب الخلق... والشمس غنوة م الزنازين طالعة... ومصر غنة مفرعة في الحلق...
أتجمعوا العشاق في الزنزانة... مهما يطول السجن مهما القهر..
مهما يزيد الفجرم السجانة....مين اللي يقدر ساعة يحبس مصر........ ولا حد.....
وقصيدة نجم من تلحين الشيخ أمام:
"شيدو قصورك على المزارع...... وعمال وفلاحين وطلبة"
كفارة يا معلم......... السجن للجدعان ..............والمشنقة مرجيحة الرجالة.
الحلقة القادمة الاسبوع القادم (رؤية سريعة عن حال المنظمات الماركيسية بالجامعة).ا

الجمعة، 5 مارس، 2010

الحلقة الحادية عشر : سجن القناطر من 11 فبراير الى 3 اكتربر 1973

سجن القناطر
11 فبراير 1973 – 3 أكتوبر 1973
مازالت المظاهرة تسير في حواري الجيزة... الليل بدأ يزحف وغابت الشمس.... وقرر الزملاء إنسحابي من المظاهرة لمواصلة العمل فى البوم التالى.... لكن الأمن كانت عيونه ترصدني بدقة..... سرت على الجانب الأيمن للمظاهرة.. أنسحبت إلى شارع جانبي أنا وطارق صلاح ( أحد زملائي بكلية الهندسة)....
وما إن سرنا عدة أمتار في الشارع حتى أندفع نحونا شخصين كل منهما في وزن ثور..... جرينا بسرعة.... عرجنا وتعرجنا في العديد من الشوارع والحواري والثوران من خلفنا..... إلى أن اتسعت المسافة بيننا وبينهم بدرجة كبيرة وفي إحدي التعريجات ولسوء حظنا دخلنا في شارع مسدود.... ولم ندرك أنه مسدود إلا في منتصف الشارع.. كانت قدمانا تسابق الريح ولكن الوجه كان دائمًا ينظر إلى الأرض..... وكان الثوران في الشارع العمودي على الشارع المسدود وشاهدونا ونحن ندخل إليه... ولما وجدنا الشارع مسدود لم يكن هناك مفر أمامنا إلا دخول أحد المنازل وعدم الرجوع للخلف فالثوران آتيان... وبالفعل دخلنا أحد المنازل قبل إن يحضر الثوران إلى قمة الشارع المسدود... صعدنا إلى الدور الأول طرقنا بعنف على الباب... خرج إلينا صاحب الشقة قلنا له:
أحنا من مظاهرة الطلبة والبوليس يطاردنا... ياريت تدخلنا عند سيادتك لمدة خمس دقائق.. لحد ما يمشوا...
وعينك ما تشوف إلا النور... صاحب الشقة رزع باب الشقة وقفله في وشنا.... قائلاً: بوليس... ونروح أحنا في داهية...
صعدنا دورين إلى أعلى وكررنا المحاولة مع شقة ثانية وطرقنا الباب... خرجت إلينا شابة سنها "22 – 25 سنة" .....قلنا لها نفس ما قلناه لصاحب الشقة أسفلها... فتحت لنا الباب وقالت وهي مرتبكة:-
- أدخلوا انتوا زي أخواتي برضه..
دخلنا إلى الصالة... ومن شدة التعب جلسنا على الأرض ونحن نتنفس الصعداء وننهج بشدة...
فوجدناها تقول لنا:
- معلش أنا ممكن أستضيفكم لمدة ربع ساعة فقط... لأن أنا عروسة ولسة متجوزة جديد..... ولوجه جوزي هيتخرب بيتي... أنا أخواتي معاكو في حركة الطلبة... بس جوزي ما يفهمش حاجة في السياسة...
شكرنا هذه الفتاة العظيمة... وقلنا لها افتحي شباك البلكونة وأوصفي لنا ماذا يدور في الشارع... خرجت.. ووقفت على سور البلكونة لمدة خمس دقائق.. وجاءت وقالت لنا:
مفيش حد في الشارع... غير اثنين زي الثيران واقفين على رأس الشارع... واحد لابس بنطلون أزرق وبلوفر بني.. والتاني تقريبًا نفس اللبس... عرفنا من كلامها إنهما الثوران اللذان كانا يجريان خلفنا... وإنهما حينما وصلوا إلى قمة الشارع ووجدوه مسدودًا و لم يجدوا أي أثر لنا... استنتجوا إننا مختبئين في أحد المنازل... لكنهم لم يحددوا في أي منزل دخلنا.. لذا فهم وقفوا على قمة الشارع في إنتظارنا...
شكرنا الفتاة... وقررنا الإنصراف حتى لا نضرها... بعد أنا شربنا كوبين من الماء.... قلت لزميلي: هيا بنا نصعد إلى سطح المنزل... سننام على السطح حتى الصباح... والثوران لن يستطيعا تفتيش كل بيوت الشارع... فالشارع طويل....... صعدنا نحو الدور الأخير لكن السلم لا يصل إلى السطح... السلم مغلق على الدور الأخير... جلسنا لفترة طويلة على بسطة وسلالم الدور الأخير... أخيرًا أدركنا الإرهاق والتعب قررنا الخروج من المنزل وإحنا وحظنا.
وما أن خرجنا من المنزل.. حتى توجه الثوران نحونا...
كل منهما يمسك بطبنجة: أوعى حد يتحرك... هنضرب في المليان..
استسلمنا ووقعنا في أيديهم... حاصرونا... كل منا في ناحية..... ظهره إلى الحائط ومحاط بنصف دستة من الثيران... أشحت بنظري إلى أعلى وجدت الفتاة الكريمة واقفة في البلكونة وهي تبكي... فرت الدمعة من عيني.. لكن بعض دقائق وجدت نفسي محشورًا في تاكسي مغمي العين وأجلس قرفصاء في دواسة عربةملاكى.... وأقدام الثيران فوق جسدي..... وكمامة أخرى على فمي.. لكن السيارة كانت تسير قريبة من المظاهرة فكنت أسمع الهتافات:
أصل الوالي يا ناس مش داري ....... بهم الفقرا في الحواري
شربوا الفقرا المر سنين ....... يا ما ليالي باتوا جعانين
شربوا المر وشربوا القهر ..... وبيستلفوا طول الشهر
حينما سمعت صوت المظاهرة أدركت لماذا تم وضعي في الدواسة تحت الأقدام... لأنه لو كنا جالسين في السيارة وشاهدنا زملاءنا في المظاهرة لأنتزعونا من بين أياديهم... خارج السيارة... طارق فى الدواسة الأمامية، وأنا فى الدواسة الخلفية..
ودخلنا إلى مبنى المباحث بشارع جابر حيان المجاور لحينا... حينما دخلت هذا المبنى.. تذكرت كل ما حدث في حادث مجلة الحائط "مجلة من صنع أيدينا"...... تذكرت عادل آدم وفريد عبد الكريم وشخير الضباط ...دوارة سنين الزمن دوارة... سمعت صوت المخبرين مهللاً بفرح:
قبضنا كمان على أحمد شرف الدين.. وصوتًا لضابط آخر:
كمال خليل وأحمد شرف في ليلة واحدة... يادي الهنا...
لم نمكث طويلاً بمنى جابر بن حيان "فرع مباحث أمن الدولة بالجيزة و كان وقتها يختص بالدرجة الأولى بطلبة جامعة القاهرة"..... تم ترحيلنا بسرعة إلى مبنى مباحث أمن الدولة – فرع القاهرة – بميدان لاظوغلى...
وكانت أعداد المقبوض عليهم بالعشرات... وضعنا أنا وأحمد شرف الدين وطارق صلاح بأحد الزنازين في بدروم لاظوغلي... استدعيت لأحد الدور العلوية... دخلت إلى أحد الحجرات.. عاملونى بلطف "...طبعًا في البداية"...
أجلسوني على كرسي أمام مكتب كبير يجلس عليه حوالي أربعة من ضباط أمن الدولة... وضابطان من الخلف وباب الغرفة في ظهري.... بدءوا الحديث تشرب إيه؟ شاي قهوة سجاير... أقولك بلاش الكلام ده... أحكي لنا عن نفسك.
كانت هذه أول مواجهة بيني وبين كلاب أمن الدولة.. بادرتهم بالقول:
- أنا ساكن في الدقي القديم..... وكنت عضو في منظمة الشباب... والحكاية والرواية.. "وأي كلام فارغ كنت عمال أقوله بعيدًا عن الدخول في أي موضوع عن الطلبة وزملائي اللي كانوا هاربين معايا... كان هذا كل شاغلي... ألا أتحدث عن زملائي... ولا عنوان الشقة التي بها الهاربين"...
وبدأت الأسئلة تطاردني:-
فين طلعت فهمي؟ فين عماد عطية؟ فين حلمي المصري؟ كنت هربان معاهم فين؟
وأنا أجيب كل مرة:
- أنا ما عرفش حد أسمه طلعت.. أنا م الدقي القديم... وأنا كنت عضو في منظمة الشباب... الخ...
وأكرر ذلك في كل مرة وأزيد عليه أية معلومة هايفة... لدرجة أن أحد الضباط وقف يصرخ في وجهي:
- خلاص يا أبن الكلب.. عرفنا أنك أنت من الدقي القديم... . وعضو في منظمة الشباب... خلاص... قول حاجة جديدة... خلاص أنا ورمت...
وبدون أن أدري كان الباب من خلفي قد فتح... وفي لمح البصر وجدت كفًا غليظًا ينهار على قفاي من الخلف... وعندما ألتفت خلفي أنهارت على وجهي مجموعة من الأقلام... ومن الخلف مجموعة من الشلاليت وبعد هذه العجنة بادرني من ضربني من الخلف "والذي استنتجت أنه قائدهم":
هتنكر يا أبن الكلب أنك كنت في المظاهرة... أجيب اللي كان شايلك... وأشار بيده على أحد المخبرين التابعين له... وكان يرتدي بنطلون بني وفانلة بيضاء.. وفعلاً هذا الشخص كان يحملني في المظاهرة.... وكاد يسلمني لعساكر الأمن المركزي.... لولا إننى أدركت في اللحظات الأخيرة أنه مخبر مندس وليس طالب..... فضربته من أعلى على رأسه وإذنيه.... ومن أسفل بقدماي في منطقته الحساسة فإ ستطعت أن أفر من بين يديه" وهو يحملني "لشدة الألم الذي أصابه.. لقد كان فعلاً يحملني في وسط المظاهرة... ولما هاجم أمن المركز الطلاب جرى الطلبة إلى الأمام أما هو فقد ثبت في مكانه... وأصبحت أنا وهو على بعد أمتار من عساكر الأمن... وأنا أصرخ فيه.. "نزلني يا صاحبي.. نزلني يا صديقي"... وهو ثابت... حينها أدركت أنه لا صاحبي ولا صديقي فضربته من أعلى ومن أسفل... وهربت من بين يديه مندفعًا نحو زملائي الطلاب.
عجنة من الأقلام على الوجه والقفا مع مجموعة من الشلاليت.. أدركت فيها أننا قد بدأنا ندخل في الجد...
صرخت منفعلاً وباكيًا قائلاً لقائدهم:
- أنا مش أبن كلب.. أنت أبن ستين كلب... يا أبن ويا أبن..... أيوه الكلب ده كان شايلني... بس مقدرش يمسكني...
أنا مش خايف.... أيوه كنت في المظاهرة..أيوه أنا ضد السادات.. وضد إسرائيل...
ولو كنت جدع يا حضرة الضابط واجهني راجل لراجل... بتتحاما في المخبرين بتوعك يا خول......
كنت وقتها طويلاً نحيفًا لا يزيد وزني عن 52 كيلو جرام... بالطبع شعرت بالإهانة الشديدة عندما صفعت على القفا والوجه.. وكان هذا العامل الأساسي وراء بكائي...... لم يكن بكائي تعبيرًا عن أنهيار وتخاذل...
لكنه كان بكاء مع تحدي.. وهذا هو ما عملته لي الحارة التي تربيت فيها.. حينما كنا نتشاجر وتكون وسط المعركة ضعيفًا والخصم قويًا...غير مصرح لك أن تستسلم... أبكي وأضرب وقاوم..... لكن غير مقبول أن تستسلم..... هذا ما جعلني أخاطب قائدهم بألفاظ نابية... وأنا أبكي... ورغم بكائي إلا أنهم شعروا بقوتي رغم هزال جسدي...
أما الأهم عندي في هذه اللحظة... أن قائدهم بغباءه قد حول خط سير الاستجواب "من السؤال عن زملائي والمكان الذي كنت أهرب فيه.... إلى السؤال عن:
هل أشتركت في المظاهرة أم لا؟... وكان هذه شيئًا جيدًا بالنسبة لي.
وبعد عجنة الأقلام والشلاليت بدأ الضباط يوجهون الأمر إلى الدفة الأخرى "ترهيب ثم ترغيب ثم ترهيب وهكذا...
- لا.. لا.. يا ماجد بيه... كمال طيب وهيتكلم... وهيقول على كل حاجة...
"عرفت بعد ذلك وبعد حبسات كثيرة أن قائد هؤلاء الضباط والذي صفعني من الخلف... والذين يقولون له ماجد بيه... هو ماجد الجمال أحد الجنرالات الكبار(وقتها) في جهاز مباحث أمن الدولة ......
بعد أن جفت دموعي وهدأت جلست صامتًا تمامًا... لا أنطق بأي كلمة.... يسألون وكأنني لا أسمع.....
وأخيرًا قال أحدهم: نزلوه الزنزانة تحت.. لما نشوف أخرتها إيه؟!!
نزلت إلى الزنزانة، وحكيت لأحمد شرف كل ما دار بيني وبينهم... فأخذ ينصحني ويعلمني:
القانون بيقول جهاز مباحث أمن الدولة سلطة تحريات وضبط وإحضار..... ليس من حقهم أن يجروا معك أية تحقيقات... التحقيقات قدام النيابة وفي مبنى النيابة مش في مبنى مباحث أمن الدولة...
وتعلمت على يد آخي أحمد شرف "رحمه الله" أول الدروس في قصة "مواجهة سلطات التحقيق....
" أستعدوني مرة ثانية..... فجلست أمامهم قائلاً بكل ثقة:
- مش ها أجاوب على أي سؤال... أنا عايز النيابة.. القانون بيقول أن النيابة هي سلطة التحقيق... أنتم سلطة تحريات وضبط وإحضار.
ضحكوا وقالوا لبعضهم: أحمد شرف حفظه الكلمتين...
قالوا لي: أحنا عارفين أنك من الدقى القديم وكنت في منظمة الشباب ....وبعدين....
قلت لهم: لا... أنا مش الدقى القديم ..... أنا عايز النيابة..
أنزلوني ثانية إلى الزنزانة.. حكيت لأحمد شرف ما حدث.. قالي: كده كويس.....
بعد دقائق أستدعوا أحمد شرف وصعد إليهم.. أما أنا فأخذوني إلى غرفة ثانية بالمبنى.....
وأجلسوني أمام وكيل نيابة أخذ يسألني بعد أن أطلعني على كارنيه النييابة... فقلت له:
التحقيق لازم يكون في مبنى النيابة مش فى مبنى مباحث أمن الدولة... كان الرجل رقيقًا مهذبًا... وتعامل بلطف... في النهاية دخلت التحقيق معه واعترفت بعنترية وإعتزاز شديد بأني كنت في مظاهرة ميدان الجيزة ........... ودافعت عن حق التظاهر..... وسألني المحقق عن جميع الزملاء الهاربين... فقلت له: أنا ما أعرفش حد.. أنا من الدقي القديم وما أعرفش حد من الجامعة.. ضحك وكيل النيابة وقال لي:
.......................... أنت متهم بقلب نظام الحكم...................
قلت له:
بالذمة فيه واحد وزنه 52 كيلو جرام يقدر يقلب نظام حكم مدعم بالدبابات والطائرات والمخبرين...
ضحك وكيل النيابة وأمر بحبسي 15 يوم.. عندما قابلت أحمد شرف في عربة الترحيلات وحكيت له ما حدث.. نهرني قائلاً: أنا مش قلت لك لا تدخل التحقيق إلا في سرايا النيابة..
قلت له: وأنا أعرف منين سرايا النيابة ده...
قال: وكمان لازم يكون معاك محامي... وميكونش فيه أي ضابط أمن دولة جوه غرفة التحقيق... حسيت أني حمار... بس عذرت نفسي وقلت أكيد طلبة الحقوق معرفتهم أكثر في المسائل ده من طلبة كلية الهندسة... لكنني أدركت بعد ذلك أن هذه المسائل على درجة كبيرة من الأهمية ولا ينبغي تقديم أي تنازل فيها... ولازم يعرفها كل مواطن لإننا في دولة بوليسية...
سارت بنا عربة الترحيلات في ظلام الليل.. قال لي أحمد شرف بعد فترة وبعد سير العربة على كورنيش النيل..... "إحنا رايحيين سجن القناطر"..
دخلنا سجن القناطر في حوالي الساعة الحادية عشر مساءًا.... ودخلنا إلى أحدى الزنازين مع أحد الطلاب المعتقلين والذي كان محبوسًا حبسًا انفراديًا.. وكان صوتنا منبوح.. وأخذ الطالب يقول بصوت عالي ليسمع الزنازين المجاورة:
- يا جماعة وصل زملاءنا أحمد شرف الدين حقوق القاهرة... وكمال خليل هندسة القاهرة...
سمعنا أصوات زملائنا من الزنازين المجاورة ........أيه أخبار الجامعة؟!!
الجامعات نامت ولا أيه؟!!
حينما أخبرنا زميلنا الطالب ليقول للزملاء:
كمال وأحمد صوتهم منبوح... وهمه جايين من مظاهرة ضمت أكثر من 6 آلاف طالب خرجت من الجامعة القاهرة لميدان الجيزة.
أنقلب حال السجن إلى فرح شديد وهتافات بعد أن كان صامتًا كئيبًا... حيث أعتقد البعض أن الحركة تراجعت ولم يتحرك الطلاب للتضامن مع زملائهم المعتقلين.. صخب شديد... وسلامات وفرح من داخل الزنازين المغلقة.... وبعد ساعات رحت أنا وأحمد شرف في نوم عميق عميق.. نوم الزنازين على البرش... نوم العوافي يا مصر في جمهورية سجن القناطر الديمقراطية...
معرض يتم تهريبه من سجن القناطر إلى الحرم الجامعي
من ليلة 11 فبراير 1973 إلى صباح 3 أكتوبر 1973 :
"سبعة شهور وإثنان وعشرون يومًا".... أمضيتها بالتمام والكمال داخل سجن القناطر.......
عدا عشرون يومًا من هذه الفترة تم ترحيلي فيها إلى سجن القلعة وحبسي انفراديًا وضغوط وتحقيقات بنيابة إمبابة.... ثم عدت بعدها ثانية إلى سجن القناطر... وشهر أخر رحلنا فيه جميعًا لسجن طره لأداء إمتحانات نهاية العام .
واحد يا ورد.. أثنين يا فل... تلاتة يا ياسمين..
أربعة يا أجدع ناس معلمين.... خمسة يا أفندية وإختلاسات مالية...
ستة يا زهرة شباب الحركة الوطنية.. سبعة يا باشا..
ثمانية يا أجدع ناس حشاشة... تسعة يا شاكوش..
عشرة والقضية طلعت فاشوش...
أعرفكم يا أخواني... أن أخوكم.. محمد زرجينه.. خارج بكرة.... بعد عشرة سنين جدعنه ف جدعنه..
وعقبالكم وعقبال عندنا يا حبايب...
كان هذا نشيد العنبرة....... الذي يطلقه السجناء الجنائيون ليلة الإفراج عنهم وإطلاق سراحهم بعد انتهاء مدة العقوبة.. وهذا النشيد يتنوع من سجن إلى سجن.. وتدخل عليه تعديلات كل فترة من المساجين الجنائيين ....الأمر يحتاج إلى دراسة وتحليل...
.. العنبر وأغاني حراس الليل على أسوار السجون في ظلمة الليل:... فلكلور شعبي...
حينما يمر ضابط بجوار الأسوار العالية في نوبة مرور تسمع أصواب غفر الليل:
"كنجي – برنجي – شنجي".... وهي أسماء تطلق على ترتيب دورياتهم،... وترتفع أصوات الحراس :
"واحد تمام... اثنين تمام.. ثلاثة تمام.. أربعة تمام.."
في نغمة موسيقي عالية.....
وبعد رحيل الجنرال.... وفي جنح الظلام تستمع إلى غناء الغربة والأوجاع لمجند من الصعيد يحرس أسوار السجن......
السجن ليس أبواب وسلاسل وأسوار عالية... السجن هموم وشجون وأحزان وتضامن و صحبة................ في السجن ينكشف معدن الإنسان.. الجنائيون بشر دفعتهم الظروف الاجتماعية القاسية إلى الجريمة..
السياسيون بشر دفعتهم الديكتاتورية الحاكمة وإستبدادها إلى داخل السجون.. في السجن دائمًا يلتقي السياسي والجنائي كل منهما جاء إلى السجن بأسباب ودوافع مختلفة.
في ظلال الفرحة... أنطلق صوت من أحد الزنازين قائلاً:
العزيق... العزيق يا صدقى... والعزيق هى قصيدة للشاعر سيد حجاب ..... أما صدقي فهو أحد طلاب كلية الهندسة بجامعة عين شمس، والذي لم أراه منذ حبسة سجن القناطر(فينك ياأخويا ياصدقى)..........
.. كان صوته جميلاً وشجيًا... ويغني من أعماق قلبه... أين أنت يا صدقي؟؟ وأين جسارتك وصوتك العذب...
ومن على شباك الزنزانة أنطلق صوت صدقي كالهدير داخل السجن:
وهبت عمرى للأمل ولا جاشى
وغمرت غيطى بالعرق ما عطاشى
ورعيت لمحبوبى هواه ماراعاشى
والليل عليا طويل وأنا العليل العليل
راضى الطبيب لكن دواه ماراضاشى
والصبر فين؟....الصبر فين؟...
الصبر فين ياسنين طوال وليالى
عيتى على الجمل الأصيل العالى
لما ينخ بحمل من أحمالى
لكن فى كل صباح ...بأنسى الجراح
وأنقش بفاسى ع الغيطان موالى......
ياليل ياعين.....ياليل ياعين....
ياليل ياعين ياأرض يامعشوقة
ياكاشفة من فوقك بذور مرشوقة
غنيت وفى المغنى فرضى للسمرة أرضى
هيه اللى باقية ع الزمان معشوقة
والعشق زين......العشق زين
العشق زين بس الهموم سباقة
والشوق حريق بس الغيوم خناقة
مشتاق أنا والحلوة مش مشتاقة
أمتى تطول العيدان دا من زمان
والذل شين....الذل شين
الذل شين والأرض بكر عافية
يوم الحصاد وعروسة متحنية
لو شفتها بالقمح متغطية
هاأفرد عبايتى وأقابل أم السنابل
وهاأضم أملى بعد شوق
والذل شين الذل شين
وأنا بالأيدين المعروقين يامناجل
هاأنزل بشومتى ع الغراب الحاجل
ويايبقى شغل وغنى طول السنة
ياتبقى ثورة فى الصدور ومراجل
والوعد دين.......الوعد دين......الوعد دين.......
بعد إنتهاء صدقي من الغناء سألت عن صاحب القصيدة... وعرفت أن هناك رطبًا جديدًا غير رطب نجم وأمام..... وفرحت جدًا لأني وصلت إلى السجن مع زملائي... أكيد ها أتعلم حاجات جديدة... وأ كتشف العالم اللي بأبحث عنه.. بعد ذلك سمعت قصائد في غاية العبقرية والجمال.. سمعت صوت الشاعر محمد سيف وقصائده التي أحسست إنها خرجت من أحشاء حينا الشعبي.......
"الفاتحة له... عاش زي دكر النحل.. مات زي دكر النحل..."
وشارع الرويعي... وغيرها وغيرها.. آه كم أفتقدك يا سيف... لم أراك منذ هذه الحبسة... أين أنت يا سيف وأنت تحاور تراب حارتك:
"ماظني... أن الكهارب اللى والعة فى القصور دى.. مسروقة من نور عين حواريكي.. اللي أزاز فوانيسها بالأعوام يبات مكسور.."
" وباعوا الكوليرا للفقراء.."
ما أحوج إضرابات العمال الآن في عام 2007 , 2008 , 2009 إلى أشعارك يامحمد ياسيف...
بعدها كانت أشعار شاعر مدينة المنصورة زكي عمر "رحمه الله"..
لقد أبكى الجميع بقصيدته "وقفة أمام قبر أمي".....
"صدق صوت الشارع... والشاعر أصدق صوت إن قال... أديني برودة "يا خال.. خدني مني الكلمة وأديني بنادق... خد مني البيت العالي وأديني خنادق... خد مني مالي وكل عيالي...دا نفسي ولو مرة أكون البادئ"
وقصيدة "لما تبقى الكلمة لجل الكلمة بس... تبقى خيبة ولازم نتكتم وتسكت"
رحمك الله يا زكي عمر... لم أراه منذ هذه الحبسة.. سمعت أنه مات غريقًا في بحار اليمن... أنقذ طفلته من الغرق ومات هو غريقًا.... ما أحوجنا اليوم أيضًا إلى طباعة ديوان شعرك....آه يا زكي يا عمر...
كنا حوالي سبعون طالبًا من كليات وجامعات مختلفة، وضع كل خمسة منا في زنزانة صغيرة"..... كان الزملاء بالسجن يشكلون "حياة عامة مشتركة" للجميع، وكان يدير الحياة العامة عدة لجان من الطلاب:
لجنة خاصة بتجميع المأكولات والأغذية والسجائر وتنظيم الزيارات وتوزيع الطعام بالتساوي على الزنازين الأربعة عشر وكانت تسمى بلجنة الإعاشة.....
لجنة ثانية خاصة بتنظيم الندوات السياسية والثقافية داخل السجن... وتنظيم الإذاعة المسائية وكانت تسمى اللجنة الثقافية....
ولجنة ثالثة كان مهمتها الاتصال بإدارة السجن وتوصيل مطالب المعتقلين للإدارة وكانت تسمى "لجنة الإدارة
أما اللجنة الرابعة فكانت لجنة المعرض والتي شكلت جميع معالم الحبسة وفجرت معركة كبرى وعلقة ساخنة داخل سجن القناطر..
لقد سار عمل اللجان الثلاثة الأولى بشكل منتظم وجيد، فقد كانت تصادر الأغذية بكل زيارة بشكل كامل ويتم توزيعها على الزنازين بالتساوي مع عمل مخزون إستراتيجي من المعلبات والسجائر، وكانت الحياة وافرة...
كما تم عقد العديد من الندوات الهامة داخل السجن، وكان الصراع السياسي بين الفصائل المختلفة على أشده، فريق يتهم الأخر باليمينية... وفريق يتهم الآخرين بالطفولة اليسارية.... وفريق يدعي أنهم هم الوحيدون أصحاب الخط الصحيح وما عداهم فهو إنتهازي يميني وطفل يساري... وصراعات مع إدارة السجن.... ونقاشات مطولة عن طبيعة إدارة السجن.. هل هي تعبير عن السلطة الحاكمة؟ أم هناك استقلال نسبي بينهما؟؟
أما أخي الفاضل العزيز "تيمور الملوانى رحمه الله" فكان يطالب إدارة السجن بالإستحمام بالماء الساخن وشاكس معهم طويلاً على ذلك..... فقالوا له: لدينا حمام بخار... فذهب معهم وأدخلوه أحد الغرف والتي بها فتحة مستديرة بالسقف..... وقالوا له: أخلع ملابسك سوف يدخل عليك البخار الساخن من هذه الفتحة......
أنتظر تيمور طويلاً بعد أن أغلقوا باب الغرفة في انتظار البخار الساخن الذي لم يأت.... بعد ربع ساعة صرخ:
يا شاويش فين البخار؟
أجابه الحارس من الخارج... مفيش بخار أنت في زنازين التأديب... وضحك تيمور بأعلى صوته قائلاً: با ولاد الكلب...
أما صديقي العزيز والمناضل "محمد الدرديري خريج كلية الطب ... أمرت إدارة السجن بوضع القيدالحديدى في أيديه وأرجله لمدة ثلاثة أيام متواصلة بعنبر التأديب... حيث مر مدير مصلحة السجون ذات يوم ليطلع على أحوال السجن فما كان من الدرديرى إلا أن يخطب خطبة شجاعة في وجه هذا الجنرال وأمام جميع المساجين: عن قذارة السجن...... وسوء أحوال المساجين الجنائيين...... وأن العلاج الذي يكتبه طبيب السجن للمسجون الجنائي على الروشتة:....... "كوب من ماء الفول"!!!!!!!!!
"أحس الجنرال بالإهانة فأمر بوضع القيود الحديدية في أيدي الدرديري".......
عندما وصلنا السجن أنا وأحمد شرف كان هناك إضراب عن الطعام لبعض الطلاب للمطالبة بالإفراج الفوري..... وشاهدت الزميل أحمد هشام عبد القادر نحيفًا نحيفًا........ فقد كان تقريبًا قد دخل في اليوم الثالث عشر من الإضراب.. وكان هناك نقاشات طويلة عن الإضراب عن الطعام والشراب....والإضراب حتى الموت...وشروط الإضراب الناجح.........وكيف يكون الإضراب سلاح ذو حدين؟......
وكان دائمًا يطرح سؤال بين الطلاب سؤال برئ لكنه مهم:
يا ترى بعد كل مظاهرات وحركة الطلاب..... الثورة هتكون بعد كان سنة؟!!!
... كان بعض الطلاب يراها بعد ثلاث أو خمس سنوات بالكتير...... والبعض كان يرى أن الحركة ما زالت في أوساط الطلاب والطلاب لا يصنعون ثورة..... لذا قالوا: الثورة بعد 25 سنة..
أما أنا فكنت من أنصار "الثورة أهي جاية.. حتى ولو في القرن الـ 100"
كنا وقتها في القرن العشرين "عام 1973"........ هانت فاضل 80 قرن بس!!!
وكان أيضًا في أوقات التهريج يطرح سؤالا بريئا وخبيثا فى نفس الوقت:
"يا ترى مين من السبعين طالب هيستمر في الكفاح من أجل المبادئ والثورة؟.... ومين هيخون؟..... ومين اللي ها يترسمل؟.... ومين اللي هايبعد ويقول ماليش دعوة؟.... ومين؟... ومين؟.. ومين؟..."
كنا نجيب عليها بشفافية؟ وكانت الإجابة تعكس وجهة نظر كل منا في الأخر..
وكان كل منا يعتقد أنه الثأئر الوحيد..
كنا حوالي سبعين طالبًا بسجن القناطر، وتقريبًا مثلهم بسجن الاستئناف ومثلهم بسجن طرة، وما يزيد عن عشرين طالبة تقريب بسجن القناطر نساء، وأستمر الإضراب عن الدراسة بهندسة القاهرة حتى أواخر فبراير، كما استمرت المظاهرات التي تطوف بالحرم الجامعي حتى 21 مارس، واستمرت حلقات النقاش حوال مجلات الحائط بكافة الكليات...
في السجن تعرفنا على "التوتو" وهو موقد من الكيروسين والشرائط... أخترعه المساجين الجنائيين ويتم تصنيعه داخل السجن من المعلبات الفارغة، ويستخدم في طهي لا الطعام وعمل الشاي.....
كما تعلمنا كيف تقطع السيجارة إلى عدة قطع بالموس ونضع كل قطعة وندخنها في مبسم صغير...
معلمين صغار.... "كنا نقلد الجنائيين ونقول مثلهم" إذا أردت أن تنجز عليهم بالونجز".....
والونجز نوع من السجائر كان شائعًا وأنقرض..
وكان بعض الطلاب يحاول أن يقلد الجنائيين في شرب البرشام "سبراكس وفانتوم" وفي تصنيع الهبهب من العسل الأسود "خمر مصنع داخل السجن".......
هكذا في السجن يحدث شيئًا إيجابيًا بأن يتأثر المسجون الجنائي بالأفكار والمبادئ والثقافة للمسجون السياسى......وبعض الأحيان يحدث شيئًا سلبيًا وهو تأثر السياسي بالجنائي في شرب البرشام والهبهب وخلافه..
طور أحمد شرف الدين الإذاعة المسائية من شبابيك الزنازين...... وأسماها "إذاعة جمهورية سجن القاهرة الديمقراطية".......... أصبحت الإذاعة غنية بالمقالات الناطقة التي تحلل أحداث الساعة وأخبار الخارج...
أما اللجنة الرابعة.. لجنة المعرض فكانت تعد لعمل معرضًا خاصًا بطلاب سجن القناطر.... وعرضه خارج السجن بالحرم الجامعي في جامعة القاهرة..
شكلنا لجنة من الطلاب بالخارج "والذين لم يتم القبض عليهم"..... كانت هذه اللجنة تتلقى الرسومات والنشرات التي يتم إعدادها داخل السجن وقد قمنا بعمل أشياء متنوعة:
· رسومات تعبيرية على الفانلات الداخلية أو تشيرتات 1/2 كوم بيضاء..... كانت تدخل إلينا في الزيارات كملابس داخلية...... و يتم الرسم عليها بالألوان التي هربناها من الخارج للداخل........ وكل فانلة تحتوي على كاريكاتيرأو رسمة تعبيرية أوشعار للحركة الطلابية ... الخ
أشرف على إعداد هذه الفانلات مجموعة من الطلاب الفنانين والذي كان لديهم مواهب جميلة وخارقة في الفنون الجميلة من أمثال السيد دحروج الطالب بكلية الحقوق.
· على أحد ملايات السرير البيضاء رسمت قبضة يد قوية تخرج من شباك زنزانة..... وكتب تحتها بالخط العريض :
· "النصر للحركة الطلابية...... الإفراج عن الطلاب المعتقلين"..... ووقع بأقلام الفولوماستر السبعون طالبًا كل بتوقيعه الخاص".
وأسفل كل التوقيعات كتب بالخط العريض :
"الطلاب الوطنيون بسجن القناطر"
· أعددنا عدد هام ومتنوع من مجلات الحائط الوقية... كتبنا المقالات على ورق فولسكاب داخل السجن.... ثم هربناه وقام زملائنا بالخارج بلصقها على أفرخ من الورق المقوي وعمل التخطيط العام لمجلة الحائط.
· صنعنا مجموعات من لعبة الشطرنج من لبابة الخبز بالسجن.
· سرقنا دفترعنبر السجن الداخلى ومدون به أسماء المسجونين ومدد الحبس والتهم..... وكتبنا مقالات متنوعة عن الجريمة والظروف الاجتماعية للمجتمع.
· هربنا إلى خارج السجن بعض الكرابيج والعصي التي يحمله السجانة لضرب المساجين بالسجن.
· هربنا برش بالكامل "مصنوع من الليف"..... والذي ينام عليه السجين.....
· هربنا أروانات كانت تعطى إلينا لكي نأكل فيها.
قمنا بإعداد معرضًا كاملاً متكاملاً........ هربناه مع الملابس المتسخة التي كنا نعطيها للأهالي عند الزيارة.....، كانت إدارة السجن تفتش جيدًا الشنط الداخلة إلى السجن..... ولم تكن تلقى أية نظرة على الشنط الخارجة من السجن والتي كانت تحتوي على محتويات المعرض... كنا نخفي الألوان الفولوماتسر والفرش والأصباغ اللازمة للرسومات عند المساجين الجنائيين.. كان هناك خطة عمل متكاملة لعمل المعرض، كان يشرف علينا أحمد عبد الله رزه.......
الطلاب يخاطبون بعضهم من شبابيك الزنازين حول المعرض.... وماذا أعد؟ وماذا يتم إعداده؟ باللغة الانجليزية حتى لا يفهم الحراس ماذا يقولون؟.........
من أوائل فبراير وحتى منتصف مارس كانت لجنة إعداد المعرض تعمل بهمة ونشاط.. حتى خرج المعرض وتم نصبه في حرم جامعة القاهرة على مجموعة من الحبال.... كل حبل مربوط بين نخلتين..... علقت الفانلات والتيشرتات بالمشابك... و كذلك ملاءة السرير الكبيرة ومجلات الحائط.. والبرش... ولوحات الشطرنج على الأرض... الخ
... كان معرضًا ضخمًا.... وفكرة جديدة:
مقالات حائط ورسومات بأسماء طلاب داخل السجون يا للعجب يا للعجب...
ألتف جمهورالطلاب حول المعرض.. وطافت بالحرم وعند النصب التذكاري أضخم مظاهرة في 21 مارس 1973 تطالب بالإفراج عن الطلاب المعتقلين....
وهنا جن جنون ممدوح سالم وكان وقتها وزير الداخلية..... ومن ملاءة السرير عرف أن هذا المعرض خرج من سجن القناطر... فقام وزير الداخلية بمعاقبة إدارة السجن بكامل أطقمها بعقوبات شديدة... وعرفنا بعد ذلك أنه قال لهم:-
بقى أنا ساجن الطلبة علشان ما يعملوش مجلات حائط...... يقوموا يعملوا مجلات حائط جوه السجن ويهربوها بره السجن ويعلقوها في ساحة الجامعة... يبقى أيه فايدة السجن؟
الحلقة القادمة الاسبوع القادم (الصدام و الحريقة)
!!!

الجمعة، 26 فبراير، 2010

الحلقة العاشرة : اعتصام يناير 1973 ومظاهرات الشوارع واغلاق الجامعة

إعتصام يناير 1973 ومظاهرات الشوارع وإغلاق الجامعة
من صباح السبت 30 ديسمبر 1972 وحتى الاربعاء 3 يناير 1973 كانت الحركة الطلابية تموج بالمظاهرات الواسعة التي استمرت يومي السبت والأحد بالكليات المختلفة والحرم الجامعي..... وبدأت المظاهرات تتجه نحو الحي الشعبي المجاور للجامعة (بين السرايات)........ وبدأت تربط في شعاراتها بين قضايا الحريات والعداء للصهيونية وتحرير سيناء وبين القضايا الاجتماعية مثل:-
أصل الوالي يا ناس مش داري ....... بهم الفقراء في الحواري
شربوا الفقرا المر سنين ......... يا ما ليالي باتوا جعانين
شربوا المر وشربوا القهر........ وبيستلفوا طول الشهر
خلوا الفقرا تشوف النور.......... زودولهم الأجور
سيد مرعي يا سيد بيه ..... كيلو اللحمة بقى بجنيه
أنور أنور أنور بيه ......... جوز الجزمة بستة جنيه
سرقوا الكستور عروا الملايين....سرقوا الدواء م العيانين
هنحارب أمتى؟ مش عارفين!!!..
يا سلطان زمانك دبح ... وأحبس كل ولاد الشعب...
هية الكلمة في بلدي حرام ... وألا عايزنا نعيش أغنام...
ناكل نشرب نصحي ننام...
أحبسوا كل ولاد الشعب ... بكرة نشوف مين الغالب؟!!!
دكتور حسن يا اسماعيل... (رئيس الجامعة)
بص وشوف أول رعيل...
الرعيل الأول راح ... وأحنا هنضم الجراح ...
والرعيل الثاني راح ... وأحنا هنضم الجراح ...
والرعيل الثالث طالع ...
وإن خطفونا من الشوارع ... كل شباب الجامعة طالع ...
تاني وثالث رابع طالع
بكرة ها ييجي الدور عليك... ويحطوا الحديد في أيديك
بكرة تردد جوه الحلق ... شباب الجامعة كان على حق
شوفوا تنظيمهم السياسي.......... (المقصود الإتحاد الاشتراكي العربي)....
ضد أهلى وبلدى وناسى......
سيد مرعى الأمين......
يبق حرامى الفلاحين......
وسى محمد بيه عثمان ..... منسق أعمال البلطجة مع الإسلاميين
دا أقطاعى من زمان.......
ومحمود عبد الآخر أحد قيادات الإتحاد الإشتراكى فى ذلك الوقت
ما هو حرامي هوه راخر
يا أساتذتنا يا أساتذتنا...
المباحث نايمة في بيتنا...
يا بتوع روجرز يا بتوع سيسكو (روجرز وسيسكو وزيران للخارجية الأمريكية)
بكرة الشعب الواعي يدوسكو
حرب التحرير الشعبية ... دي سياسية الشعب الثورية ...
ضد أمبريالي ورجعية ... ضد الهليبة الحرامية ... ضد سياسية الرأسمالية ...
سلحونا سلحونا ... على سيناء وأبعتونا ...
(خد مني الكلمة ... وأديني بنادق ... خذ مني البيت العالي ... وأديني خنادق ...خد مالي وكل عيالي ... دا أنا نفسي ولو مرة أكون البادئ)
وفي هندسة القاهرة كانت بداية الشعارات:
ما تقول لنا يا ساعة الوالي فين عصام الغزالي؟
(حيث تم القبض على عصام الغزالي ضمن قائمة الرعيل الأول)
فين فتيح؟ فين سهام؟ فين بهاء؟ فين هشام؟
(فتيح: أحمد فتيح – سهام: سهام صبري – بهاء: أحمد بهاء الدين شعبان – هشام: أحمد هشام عبد القادر)...
وتم إقتحام قاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة يوم الأحد أوالاثنين من أعداد غفيرة من الطلاب.....
وتم الاعتصام بالقاعة لمدة 3 أو 4 أيام، لكن هذا الإعتصام لم يكن بنفس قوة إعتصام يناير 1972 ........
حيث تأثر هذا الإعتصام بإعتقال الصف الأول من القيادات الطلابية..... وتقريبًا الغالبية العظمى من أعضاء اللجنة الوطنية العليا للطلاب.... ومعظم العناصر الهامة والنشطة بالكليات المختلفة......
مما أثر على الحركة وعلى الإعتصام ذاته.......
(لم يكن إعتصامًا ضعيفًا لكن كان أقل قوة من الإعتصام السابق).......
هذا علاوة على أن الإعتصام السابق سبقه اعتصام طلاب هندسة القاهرة مما أعطاه قوة أكبر....... حيث أن كلية الهندسة بجميع أقسامها المختلفة (ميكانيكا – كهرباء – مدني – كيمياء – تعدين – طيران الخ) وفرقها المختلفة تعادل عدد من الكليات مجتمعة من حيث أعداد الطلاب.......
كما كانت كليات الهندسة تضطلع بالدور القيادي للجامعات في القاهرة وعين شمس والمنصورة وأسيوط.
وتم طرح وثيقة "البرنامج الوطني الديمقراطي" للحركة الطلابية من خلال الإعتصام......
وكانت هذه الوثيقة أرقى وأعمق من وثيقة اعتصام يناير 1972......
حيث طرحت الأمور بشكل أكثر وضوحًا... ففي نظرتها لقضية الديمقراطية:-
تحدثت الوثيقة عن حق الجماهير في تشكيل تنظيماتها السياسية والنقابية بشكل مستقل عن الدولة......
وحرية إصدار الصحف المستقلة......
ورفض أن تكون عضوية الاتحاد الاشتراكي العربي شرط لعضوية النقابات المهنية........
وعن حق الجماهير في الإعتصام والإضراب والتظاهر...بينما كانت وثيقة يناير 1972 كانت تتحدث عن رفض مبدأ التعيين فى الإتحاد الإشتراكى ولم تتطرق لحق التنظيم المستقل خارج الإتحاد الإشتراكى.
كذلك طرحت جانبا متقدما فى القضايا الإجتماعية مثل :
الحديث عن ربط الأجور بالأسعار ووضع حد أدنى للأجور لا يقل عن 30 جنيه (بأسعار هذا الوقت)......والحديث
عن وضع حد أعلى للأجور بعشرة أمثال الحد الأدنى......مثل هذه القضايا لم تكن مطروحة فى وثبقة يناير72.
كذلك تحدثت وثيقة يناير 73 أهمية المواجهة مع الكيان الصهيوني من أجل تحرير الأراضي العربية المحتلة وسيناء..... وإعداد الإقتصاد كإقتصاد حرب... وأن حرب التحرير الشعبية هي الطريق الوحيد للإنتصار على العدد الامريكي الصهيوني.
بينما كانت وثيقة 24 يناير تطرح القضية الوطنية في صورة تساؤلات.
كان من الطبيعي والمنطقي أن تكون وثيقة إعتصام يناير 1973 أكثر نضجًا وأكثر عمقًا من حيث الطرح السياسي فتفاعل الطلاب معًا يطور من رؤيتهم للواقع.... وفي الحركة تنضج الرؤى والبرامج.....
لكن كان هناك فارق بين إعتصام 1972 و إعتصام 1973 ...
إعتصام 72 كان فعل طلابي وكانت السلطة فى حالة رد الفعل.....
أما إعتصام 1973 فكان رد فعل طلابي على إعتقالات 29 ديسمبر 1972 التي شملت عشرات الطلاب من الجامعات المختلفة...........
كان اعتصام 1972 يطلب الطلاب فيه مسئولين للمناقشة......
أما في يناير 1973 فإنهم كانوا أمام مهمة الإفراج عن زملائهم الذين أودعوا بالسجون...
تم إقتحام القاعة.... وتم تشكيل لجنة عليا لقيادة الإعتصام..... وتم صياغة "وثيقة البرنامج الوطني الديمقراطي الطلابي"........ وتم أيضًا الإستيلاء على مطابع الجامعة.....
تكرر كل ما حدث في يناير 1972...... لكن الأمور ساءت على عجل وبشكل سريع...
كان الخروج إلى الشارع يلح على المعتصمين من أجل الإفراج عن زملائهم..... وبالطبع كان إعتقال قيادات الصف الأول له تأثيره في تقليل قوة الدفع للحركة.. أيضًا كان إعتقال الطلاب من القاعة في فجر 24 يناير1972 هاجسًا قائمًا في أذهان جميع الطلاب المعتصمين...
وفي ظهر الاربعاء 3 يناير 1973 :
قرر المعتصمون فض الاعتصام والخروج إلى الشارع ...
وخرجت مظاهرة كبرى ضمت أكثر من 15 ألف طالب..... بدأت بثلاثة آلاف من قاعة الاحتفالات..... ثم طافت بالحرم الجامعي وأتسع عددها، وكان الطلاب في المقدمة يحملون العلم المصري بطول أكثر من 20 متر وهو العلم الذي كان منصوبًا فوق منصة قاعة الاحتفالات الكبرى، وعند النصب التذكاري أنقسمت المظاهرة إلى قسمين كبيرين:
قسم أتجه ناحية تمثال نهضة مصر ليسلكوا طرق كوبري الجامعة نحو ميدان التحرير....
وقسم أتجه للباب الرئيسي لحديقة الأورمان من ناحية شارع الدقي ليسلك طريق شارع الدقي فميدان الدقي فشارع التحرير فميدان التحرير.....
وعند كلية الفنون الجميلة تشكل قسم ثالث من الطلاب حاول أن يتجه إلى حي بين السرايات فشارع ملاعب الجامعة فشارع التحرير فميدان الدقي فميدان التحرير...
كانت أجهزة الأمن قد أعدت عدتها طوال الأيام السابقة، وهي تختزن في ذاكرتها كيف تجمع الطلاب في صباح 24 يناير بعد اعتقال زملائهم من الإعتصام في الفجر، واستطاعوا أن ينطلقوا من أمام حديقة الأورمان وتمثال نهضة مصر إلى ميدان التحرير وشكلوا إعتصام الكعكة الحجرية في صينية ميدان التحرير........
حشد الأمن قواته بكثافة في الثلاثة محاور السابق ذكرها مستهدفًا عدم وصول الطلاب إلى ميدان التحرير سواء من جامعة القاهرة أومن جامعة عين شمس..... (لأنه تقريبًا كانت تدور نفس الأحداث بجامعة عين شمس)... ودارت معركة ساخنة بين قوات الأمن المركزي وطلاب جامعة القاهرة من الواحدة ظهرًا حتى الواحدة مساءًا تمكن الأمن فيها من حصار الطلاب خلف أسوار الجامعة... كانت معركة طاحنة أستخدم فيها الأمن الهروات والقنابل المسيلة للدموع وبعض الرصاص المطاطى......... واستخدم الطلاب ما توفر لديهم من طوب للمقاومة... 12 ساعة وحرب طاحنة أستماتت فيها قوات الأمن على ألا يصل أي طالب لميدان التحرير...
لكن رغم هذا الحصار تمكنت كتيبة مقاتلة قوامها 150 طالب من أن تفلت من هذا الحصار... وتصل لميدان العتبة في أغرب مظاهرة... سوف أسميها مجازًا "مظاهرة البرغوث"...
تبدأ قصة هذه المظاهرة عند الباب الرئيسي لحديقة الأورمان من ناحية شارع الدقي، وكنت أتقدم المظاهرة في هذا المحور ومعنا علم مصر... وفي هذه المنطقة هاجم الأمن بشدة بالعصي والقنابل المسيلة للدمع التي كان يطلقها من منصات إطلاق داخل حديقة الأورمان... فاتجهت أنا ومجموعة من الطلاب ناحية سور منخفض الارتفاع (حوالي 1.5 متر) كان يحيط بقطة أرض خالية لا يوجد عليها بناء كانت تسمى وقتها "أرض السفارة التشيكوسلوفاكيه" مكانها الحالي هو المدرسة الألمانية... صعدنا فوق السور حوالي 150 طالب وفررنا من قوات الأمن داخل هذه الأرض الخالية والمليئة بالأحجار، ولما كان هدف الأمن إطباق الحصار على الطلاب.....
فإنه تركنا نجري خلفه وتوجه ناحية الأمام لحصار الطلاب... أخذنا نجري في الأرض الخالية إلى أن وصلنا إلى شارع الدقي..... تجمعنا وسرنا بمظاهرة البرغوث في شارع الدقي... وسارت المظاهرة في شارع الدقي حتى وصلنا إلى المتحف الزراعي وتوجهنا ناحية مدرستان هناك (مدرسة إعدادية ومدرسة ثانوية)... وحاولنا إخراج الطلاب معنا في المدرستين.......جرت ورائنا بعض قوات الأمن بالعصي تطاردنا في الشوارع... جرينًا ناحية نادي الصيد وشوارعه الفرعية... وكانت المنطقة منطقة أثرياء شبه خالية من البشر... تجمعنا ناحية محطة بولاق الدكرور... جاءنا خبر كاذب مفاده أن جامعة عين شمس قد وصلت لميدان العتبة... قررنا ركوب الأتوبيسات مجموعات مجموعات على أن نلتقي في ميدان العتبة لنشارك جامعة عين شمس بعد أن تم حصار جامعة القاهرة... تجمعنا بعد ساعة في ميدان العتبة أمام محطة الترام القديمة... وبالطبع لم نجد أية مظاهرات لطلاب عين شمس... أحبطنا في البداية... لكننا قررنا الاستمرار في التظاهر في ميدان العتبة.. 150 طالب عدد قليل بس مش مهم... المهم أن أحنا نعلن عن حصار جامعة القاهرة والمعركة الدائرة هناك... أخذنا نكتب منشور مختصر من أربعة أسطر يشرح ما يدور من قتال حول جامعة القاهرة...... كتبنا المنشور على ورق بالكربون... أخذنا نوزعه على المارة... كان العلم المصري (الذي خرجنا به من الجامعة) ما زال مع طالبان لفه أحدهم على صدر زميله وساعده في إرتداء ملابسه فوقه... فردنا العلم بطول عشرين متر وسط الميدان عند محطة الترام... ألتف الناس حولنا... توجنا بالعلم بمظاهرة البرغوث ناحية محطة الأتوبيس بميدان العتبة... في المحطة أخذنا نردد هتافات الحركة الطلابية..... ونوزع المنشور القصير... وحدث تجمهر كبير من حولنا.... لكن فجأة وجدنا قوة ضخمة من قسم الأزبكية جاءت ووقفت في مواجهتنا... ظللنا نهتف وكان الناس معنا في حالة تجاوب... أصدر قائد القوة الأوامر بتفريقنا... انهالت علينا العصي.. جرينا جميعًا في اتجاه واحد ناحية سوق جوهر بمدخل الموسكي... وقفنا نملأ المنطقة بالهتافات... رفع بائعو الموسكي العصي والشوم على قوات قسم الأزبكية... وقالوا لهم الطلبة في حمايتنا... وإحنا هنا هندافع على البضاعة اللي بنرزق منها.. (وكان هناك معركة شديدة قبل شهور جرت في هذه المنطقة بين الباعة والشرطة)... تصدي الباعة للشرطة وأعلنوا تضامنهم مع الطلاب... خرجنا من خلف سوق جوهر... من الشوارع الضيقة الخلفية إلى أن وصلنا لشارع الجيش... وسرنا بمظاهرة البرغوث في شارع الجيش... وظلت المسيرة تتسع ...وظلت المظاهرة تقريبًا من الثالثة إلى الخامسة مساءًا وكنا نركز فيها على الشعارات الاجتماعية خاصة:
خلوا الفقرا تشوف النور، سرقوا الكستور، هم الفقراء في الحواري... الخ
كانت هذه الشعارات تلقي قبولاً من الشعب، وتدفع على انضمام البعض للمظاهرة... في الساعة الخامسة وعندما وصلنا تقريبًا لميدان باب الشعرية... كان الأمن أعد عدته لتحطيم مظاهرة البرغوث.... حيث فوجئنا بقوات أمنية مجهزة بالعصي والقنابل المسيلة للدموع من أمامنا ومن خلفنا وأخذت تطاردنا بشراسة.. فتفرقنا للشوارع الجانبية وكان الليل قد بدأ ينسج خيوطه.. حمانا الكثير من الأهالي وأصحاب الدكاكين من قوات الأمن... وهربونا منهم.. وأطعمونا... وكنا نحكي لهم عن حصار الجامعة ومطالب الطلاب.. وكان هناك تعطش للسمع ومعرفة الحقيقة.... وكانوا أكثر إستجابة لكلامنا عند الحديث عن المطالب الاجتماعية... أما عند الحديث عن الحرب فكانوا ينقسمون ما بين مؤيد ومعارض.. وكان الذين يعارضون يتحدثون عن فداحة ومآس الحروب الماضية في 1948، 1967..
تفرقت مظاهرة البرغوث.... لكنها كانت مبادرة شجاعة وإيجابية سارت بشكل تلقائي وعفوي... وكانت لي وللبعض بداية للتمرس على مظاهرات الشوارع... وكيف نمارس الدعاية وسط الجماهير بأعداد قليلة... وكيف بشعارات وكلمات قليلة وبسيطة تستطيع أن تنفذ فكرتك كالسهم في عقول البشر ...
في الفجر... وفي جرائد الصباح أعلنت الحكومة عن قفل الجامعات المصرية لمدة شهر....
وتم بالفعل إغلاق الجامعة بعد إضافة عشرات المعتقلين إلى المعتقلين السابقين، وبعد إصدار قائمة ثانية للمطلوبين من قيادات الصف الثاني والثالث، وكانت أعداد المطلوب القبض عليهم واسعة، وكان الشهر الذي تم فيه إغلاق الجامعة هو شهر المطاردات للقبض على الهاربين قبل أن تفتح الجامعة... ترك الكثيرين منازلهم وهربوا وأصبحوا مطاردين... وكانت المشكلة كيف تلتقي القيادات الهاربة أثناء إغلاق الجامعة لتنسق وتعد سويًا لما بعد افتتاح الجامعة...
هل ستفتح الجامعة في 3 فبراير 1973؟
ماذا سيكون رد فعل الطلاب؟
مد طلابي أم جذر طلابي؟
ماذا سنفعل في كل حالة؟
كانت الإجابة الوحيدة:
لن نترك زملائنا في السجون مهما كانت الظروف..
وخلال هذا الشهر نشطت حركة أمهات الطلاب المعتقلين (أروع الأمهات)...
والدة أحمد هشام عبد القادر خريج هندسة القاهرة (أم الطلاب جميعًا) والتي فتحت بيتها لكل هارب من الطلاب... كانت سيدة شجاعة وصلبة (رحمها الله) قدمت أبنها هشام وأبنتها مهندسة (عزة) وأبنتها الطبيبة(هدى) لساحة الطلاب المعتقلين... كانت سيدة عظيمة نزلت إلى النقابات المهنية وللنائب العام ولكافة الجهات تطالب بالإفراج عن الطلاب المعتقلين، وكان يسير معها كوكبة من السيدات المحترمات:
والدة الطالب عصام الشهاوي طالب كلية طب الأسنان.....
ووالدة أحمد عبد الله رزة ....
ووالدة الجميعي وآخرين لا أتذكرهم الآن..
هؤلاء السيدات نظموا مظاهرة في ميدان التعبة كان يتقدمها لافتة من القماش الأصفر كتب عليها بالخط الأسود:
"هدية العيد اعتقال أبناؤنا الشرفاء...... دم أولادنا فداء تحرير سيناء وليس للسجون والمعتقلات"
تصدى لمسيرات الأمهات قوات الأمن.... وكان عيد الأضحى في هذا العام على الأبواب..... لقد كان نصيب الطلاب الاعتقال في عيد الأضحى عام 1972، وعيد الأضحى عام 1973 مما أعادطرح الشعار الشهير من جديد:
العيد ده مش عيدنا
دا بياكلوا في لحم أخوتنا
يا نعيش أحرار في بلدنا
يا نموت ويا أخواتنا
قبض لعدة ساعات على بعض الأمهات... لكن حركتهم ظلت مستمرة، وكانوا همزة وصل بين الطلاب المعتقلين والطلاب الهاربين المطلوب القبض عليهم.. لقد أصبح خلال هذا الشهر الذي تم فيه إغلاق الجامعة:
المعتقلون.. وأسرهم... والهاربون... ومن يشاركون في حمايتهم من بطش السلطات..
أصبح هؤلاء جميعًا أسرة واحدة:
تجمع التبرعات... وتنقل الأطعمة للسجون..... وتوفر المكان الآمن للهاربين.
وتوزع المعتقلون على سجون طرة المختلفة... وسجن القناطر... وسجن الاستئناف... وسجن القلعة...
وكانت هذه الأيام هي تاريخ الميلاد لجيل السبعينات... وبداية التعارف بين أبناء هذا الجيل داخل السجن وخارجه.
____________________________
إضراب كلية الهندسةعن الدراسة
ومظاهرة 11 فبراير 1973 بميدان الجيزة
++++++++++++++++++++++++++++++++
طوال شهر يناير 1973 وبعد إغلاق الجامعة.. كانت المهمة الأساسية للهاربين من كلية الهندسة جامعة القاهرة كيف يلتقون ببعضهم لإدارة النقاش والحوار حول:
ماذا سنفعل عند افتتاح الجامعة؟..
هرب كل منا إلى مكان ما... إما بمساعدة أسرته... أو بمساعدة المتعاطفين مع حركة الطلاب...... أو بتدبير أي مكان للإقامة عند أي صديق (يكون غير معروف للأجهزة الأمنية)...
بدأ تتوارد الأخبار أو الشائعات عن إن فلان سيسلم نفسه وفلان يفكر في ذلك... تمكنا من إيصال رسالة لمعظم الهاربين من هندسة القاهرة وخارجها مفادها:
"لن نتخلى عن زملائنا المعتقلين... أي هارب يسلم نفسه للسلطات يرتكب خطأ جسيما في حق زملائه... يجب أن ننظم طريقة هروبنا وطريقة نزولنا للجامعة عند الإفتتاح... لن ننزل جميعًا مرة واحدة في يوم واحد... سننزل أفراد أو مجموعة صغيرة حتى يتم القبض عليها... فتنزل مجموعة أخرىوهكذا... يجب أن نطيل بقدر الإمكان الحفاظ على الهاربين لأطول فترة ممكنة ودون تخاذل ودون تراجع..."
استطعنا خلال فترة إغلاق الجامعة عمل عدة لقاءات للهاربين من طلبة كلية الهندسة... ووضعنا خطة لعملنا داخل الكلية عند إفتتاح الجامعة.. كان ملخص هذه الخطة يدور حول ما يلي:
1- سيتم افتتاح الجامعة يوم السبت (تقريبًا 3 فبراير)..... وفي هذا اليوم أتخذنا قرارًا بألا ينزل أي من الهاربين إلى كلية الهندسة لأن يوم الأحد التالي كان يوافق عيد رأس السنة الهجرية وهو يوم أجازة رسمية...
فمن سينزل لن يستطيع أن يفعل شيء في يوم واحد واليوم التالي أجازة... واتفقنا على أن نبدأ عملنا يوم الاثنين وسيبدأ العمل العناصرالغير مطلوبة ....حتى نوحي لأجهزة الأمن أن الهاربين لن ينزلوا إلى الجامعة (وأنهم خافوا وأستكانوا) من أجل تضليلهم.
2- تبدأ خطة عملنا في الكلية بإصدار مجلات الحائط وإقامة حلقات النقاش من حولها والدعوة بعد يومين لعقد مؤتمر جماهيري بمدرج الساوي,... وكان مضمون الخطة فى البداية هو:
مطالبة مجلس الشعب بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق عن أوضاع المعتقلين بالسجون من الطلاب.... وتقصي الحقائق عن العدوان الهمجي على الجامعة يوم 3 يناير قبل إغلاق الجامعة.
قال البعض: إن هذا الموقف يمينيًا وفيه توجه نحو السلطة القمعية بطلب لجنة تقصي حقائق..
لكننا كنا نعلم جيدًا أن السلطة لن تستجيب لهذا المطلب على الإطلاق وعند رفضها ذلك سيكون ذلك ذريعة منطقية وطبيعية لإعلان الإضراب عن الدراسة داخل كلية الهندسة...
كنا ندرك أن صدام الجامعة وطلاب كلية الهندسة مع قوات الأمن يوم 3 يناير ثم قفل الجامعة كان بسبب حالة إحتقان وغيط شديد لدى جمهور الطلاب.... وأن الطلاب لديهم أسباب منطقية للإضراب عن الدراسة.....
3-أتخذنا قرارًا بإستئجار شقة تكون لإجتماع الهاربين من هندسة القاهرة... لإتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب ومواجهة أي تغيير يطرأ على الخطة...
أستئجرنا شقة مفروشة خلف كازينو الأندلس بشارع الهرم كان إيجارها الشهري 25 جنيه، كان الجميع يشتركون في إيجارها... أحتفظ كل هارب بمكانه الذي هرب فيه... وكان يقيم بالشقة المجموعة الأولى التي ستقوم بالنزول للكلية حينما تكون اللحظة مناسبة... وكل أسبوع كنا نعقد إجتماع للهاربين لإتخاذ القرارات المناسبة.
كان هذا هو الاتفاق بين الهاربين من طلاب كلية الهندسة (وكان غالبيتهم العظمى ينتمي إلى تنظيم شروق)... وقد لعب تنظيم شروق دورًا مهمًا في هذه الفترة وعلى الأخص داخل طلاب كلية الهندسة بجامعة القاهرة...
في يوم السبت نزل الطالب/ ماجد أدريس (رحمه الله) إلى كلية الهندسة، وهو لم يكن عضوًا بشروق، ولم نتمكن من إبلاغه بخطتنا لأننا لم نكن نعرف مكان هروبه، نزل ماجد وحده، وأعتقد أن الهاربين قد تخلوا عن قضية زملائهم، وتم القبض عليه من قبل ضباط مباحث أمن الدولة أثناء خروجه من الكلية في يوم السبت وتم ترحيله إلى سجن القناطر.
بدأن خطتنا في العمل بدء من يوم الاثنين 5 فبراير، وخلال أيام (5، 6، 7، 8، 10، 11 فبراير 1973) تمكن الزملاء من حشد وتجميع وتعبئة طلاب الكلية لبدء الإضراب عن الدراسة بكلية الهندسة...
(مجلات حائط – حلقات نقاش – مؤتمر ضخم بمدرج الساوي) صب كل ذلك في طلب لجنة تقصي الحقائق... تم رفض الطلب... وكان مجلس الشعب يشكل لجنة صورية لتقصي الحقائق ولما طلبنا حضورها للكلية رفض طلبنا...... فتم إعلان بدء الإضراب عن الدراسة يوم 11 فبراير وأستمر الإضراب حتى يوم 21 فبراير (يوم الطالب العالمي):
كان الطلاب يتجمعون في مسيرة تطوف الكلية وتدخل إلى المدرجات..... فيصفق الطلاب...
وينضمون إلى الإضراب.... كان من أبرز الشعارات:
سيب الكمرة والعمود
لطلاب قسم الهندسة المدنية
لأجل أخونا م القلعة يعود
أول نقطة ع الـ SPAN
اللي هيسكت يبقى جبان
لطلاب قسم كمياء وتعدين
يا أخونا في كيمياء وتعدين
فين أخواتنا المعتقلين
ميكانيكا
ميكانيكا
يا أخونا في الميكانيكا
سيب القلم والأسيتكا
يا أساتذتنا... يا أساتذتنا
المباحث نايمة في بيننا
وذلك بعد إحالة بعض الطلاب والأساتذة إلى مجالس تأديب
عملوا ليكوا ولينا مجالس
هيه حضانة وألا مدارس
ما تقول لنا يا سعادة الوالي
فين عصام الغزالي؟
فين فتيح؟ فين سهام؟
فين بهاء؟ فين هشام؟
مضربين... مضربين
لحد ما ييجا المعتقلين
عايزين حكومة حرة
العيشة بقت مرة
أنور أنور يا سادات
هيه فين الحريات
مجلس شعب دا قرع وكوسة
والحرية يا ناس محبوسة
يا مجلس شعب ماء الطين
أنت رئيسك قط سمين
يا مجلس شعب صباح الخير
وأنت رئيسك مليونير
قولوا للنايم في عابدين
حكمك زفت وزي الطين
نزلت إلى الكلية يوم الأربعاء أو الخميس حينما أقتضت الحاجة لبدء المسيرات وقيادة المظاهرات داخل الكلية... كنت أقود المسيرة داخل الكلية.... وفي نهايتها أتخفي بين المباني ودورات المياه... وأدخل دورة مياه في الدور الأرضي من الباب وأخرج منها من الشباك... ثم أهرب من داخل كلية الهندسة (من عند الكافتيريا القديمة) إلى داخل حديقة الحيوان.... ثم أهرب من حديقة الحيوان... وكان هناك طريقًا آخر من الحرم الجامعي.. بعد قفز عدة أسوار تجد نفسك في ملاعب السعيدية الثانوية أو في مزارع واسعة لكلية الزراعة خلف أبي قتاتة...
كان الإضراب يسير بنجاح في كلية الهندسة، وكنت أقود مع زملائي بكلية الهندسة (رياض رفعت، فاتن عبد المنعم فضة، محمد سلام وغيرهم) المسيرات داخل الكلية......
وكان الطلاب أحمد شرف الدين وصلاح موسىو الطيب وعمران يقودوا المظاهرات في الحرم الجامعي...
لقد كانت مظاهرة 11 فبراير 1973 عبارة عن مقطوعة موسيقية رائعة.... جاءت من العزف الجماعي لتفاعل المتظاهرين:
فى الساعة الثانية عشرة ظهرا خرج حوالى 2000 طالب من المضربين عن الدراسة بكلية الهندسة بمظاهرة نحو الحرم الجامعى ........وطافت المظاهرة بالحرم الجامعى.......وأصبح عدد المتظاهرين حوالى ثلاثة آلاف طالب تجمعوا أمام النصب التذكاري لجامعة القاهرة بعد أن طافوا بالحرم الجامعي..... وقف الطلاب يرددون شعاراتهم:
"أصل معدش فيها رجوع ... جه ميعادنا للطلوع".
وكان الطلاب محاصرين من جميع الجهات.....
حاصرت قوات الأمن منطقة بين السرايات...... ووضعت آلاف الجنود على مشارف كوبري الجامعة ومنطقة تمثال نهضة مصر...... وحديقة الأورمان.......
لم يخطر في بال رجال الأمن أن هناك منفذا آخر يمكن أن يخرج منه الطلاب.......
فهم قد تعودوا منذ مظاهرات 1968 ,ومظاهرات الكعكة الحجرية عام 1972,ومظاهرات 3 يناير1973:
إما أن تتجه المظاهرات لحي بين السرايات أو حي الدقي من عند حديقة الأورمان...... أو من ناحية كوبري الجامعة........
فقادة الأمن ما هم إلا بيروقراطيون..... يحركون قواتهم حسب ما إعتادوا وتعودوا.......
وبالتالي فالمفاجأة المدروسة والممكنة يمكن أن تشتت شملهم......
لذلك حينما انطلق الشعار أمام النصب التذكاري:
"مصر يا خلق علينا عزيزة ... بينا ياله ميدان الجيزة"
كانت المفاجأة الكبرى...... وبدأ عزف السيمفونية....... توجه الطلاب بسرعة البرق ناحية ميدان الجيزة..... وأثناء توجههم خرجت مجموعة من بينهم واستطاعت أن تضم للمظاهرة طلاب مدرسة السعيدية......... ومجموعات أخرى لذات الغرض توجهت إلى كلية الزراعة وكلية طب بيطري......... وفي خلال نصف ساعة كائت المظاهرة حوالي ستة آلاف مواطن بميدان الجيزة........
حاول الطلاب التوجه لعمال الشركة الشرقية للدخان والسجائر بالجيزة....... فطاردتهم قوات الأمن التي كانت قد استيقظت من غفوتها ووجهت قواتها تجاه ميدان الجيزة.........
توجهت المظاهرة نحو حواري الجيزة الشعبية وحاول الجنرالات وجنودهم دخول الحواري وراء المتظاهرين....... فكانت الأحجار نصيبهم...... لا من قبل الطلاب..... ولكن من قبل سكان حى الجيزة الشعبية ومن فوق أسطح المنازل....وأستمرت المظاهرة حتى العاشرة مساءاً
الحلقة القادمة الاسبوع القادم (سجن القناطر 11 فبراير 1973 - 3 اكتوبر 1973)
.

الجمعة، 19 فبراير، 2010

الحلقة التاسعة : شباب الإسلام وقدامي الطلبة وتكتيك حرب العصابات

شباب الإسلام وقدامي الطلبة وتكتيك حرب العصابات
عام 1973 كان عاما ساخنا جدًا... النظام الحاكم وجنرالاته في لاظوغلي مصممين على وأد أي تحرك طلابي في مهده، كان الهدف هو استئصال مجالات الحائط وتفريع حلقات النقاش من الطلاب....
شهد هذا العام التحالف والتنسيق المباشر بين مباحث أمن الدولة والتيار الاسلامي... فقد كان هذا التيار بمثابة العصا الغليظة ضد الحركة الطلابية داخل الجامعة... كان الأمن المركزي خارج الجامعة مسلحا بالخوزات والعصى والقنابل المسيلة للدموع..... وكان التيار الاسلامي داخل الجامعة مسلحا بالمطاوي والجنازير...
دخلنا الجامعة في أكتوبر 1972...فى الأسبوع الأول علقت لافتة ضخمة كأفيش السينما داخل فناء كلية الهندسة جامعة القاهرة كتب عليها بالخط العريض :
"حزب الله في مواجهة حزب بالشيطان"...
وكان مفهومًا لنا :
حزب الله هو الدولة ومخبريها وجنرالاتها في تحالفهم مع التيار الإسلامي الذي كان السادات أفرج عن معتقليه من الإخوان المسلمين في بداية حكمه وأعاد لهم إصدار مجلة الدعوة..... ومغازلة لهذا التيار كان السادات يبدأ خطابه بكلمة: "باسم الله"..... وينهي خطابه بالدعاء الديني.
أما حزب الشيطان فهو كان مفهوما لنا:
الحركة الطلابية والطلاب الماركسيين والتيارات الديمقراطية.
في هذا الوقت كان المعلوم للجميع وحتى للسلطة ذاتها أن التيار الإسلامي هو الإخوان المسلمين وفقط ....
لكن الخافي والمختفي(وقتها) هو:
أن هذا التيار كان يتشكل بداخله أنوبة لتنظيمات إسلامية جديدة مثل:
التكفير والهجرة ..والتبليغ والدعوة.... والجماعة الإسلامية وغيرها.
لم يكن أحد يعلم عنها شيئًا...... وجد النظام في التيار الإسلامي وبحكم عداءه للشيوعية وللتيارات اليسارية أفضل حليف له في مواجهة الحركة الطلابية ....وتحويل الصراع من صراع حركة طلابية ضد دولة ديكتاتورية إلى صراع بين (طلبة من الشيوعيين) و(طلبة من الإسلاميين)..... بما أطلق عليه (طلبنة الحركة) مثل (فتنمة الحرب بين فيتنام شمالية وفيتنام جنوبية)..
لقدم أستلهم النظام خبرة ودرس الحركة الطلابية في عام 1946 حينما تحالف إسماعيل صدقى مع الإخوان المسلمين... وجعلهم يشكلون "اللجنة القومية للطلاب" في مواجهة "اللجنة الوطنية للطلبة والعمال"... واستخدموا الأسلحة والجنازير ضد الطلاب.
دخلنا الكلية والعديد من الملصقات تدعو للإنضمام لجماعة "شباب الإسلام"... وخلال أيام تشكلت الجماعة ووجدنا قائدًا لها يدعى "عدلي مصطفى".... طالب بكلية الهندسة يقف أمام مجلات الحائط يبدأ كلمته ب :
"بسم الله الرحمن الرحيم".. ثم ينتقل بكلامه لعبارات : قال الله وقال الرسول... ثم يحرض ضد الشيوعية والشيوعيين... ثم يأمر أتباعه بتمزيق مجلات الحائط بالكلية... وضرب الطلاب الشيوعيين الذي يصدرون هذه المجلات ...
كان يلتف حول (عدلي مصطفى) هذا حوالي مائة شخص.... نصفهم من أتباعه والباقي عناصر من خارج الكلية بعضهم مدرب جيدًا على أعمال الكاراتيه.... بعد أن ينتهي عدلي من كلماته:
يبدأ الضرب وتنقلب ساحة الكلية.... ومع الضرب يتم تمزيق مجلات الحائط وفض حلقات النقاش...
لم يكتفي النظام بذلك داخل هندسة القاهرة....... بل إلى جوار جماعة (شباب الإسلام) تشكلت جماعة أخرى تحت إشراف مباحث أمن الدولة وهي جماعة (قدامي الطلبة):
وكان عمل جماعة (قدامي الطلبة) يكمل عمل (شباب الإسلام)...
فمن المعروف أن حوالي 35% فقط من الطلاب الذين يدخلون كلية الهندسة هم الذين يحصلون على بكلورويوس الهندسة بعد 5 سنوات..... أما 65% من الطلاب فهم يتخرجون بعد 6، 7، 8، 9 أو 10 سنوات وأكثر.... تمكنت أمن الدولة من تجنيد بعض الطلاب من قدامي الطلبة.... وكان ذلك إبداعًا مباحثيًا....
حيث يقف أحد هؤلاء القدامى بعد تمزيق مجلات الحائط وضرب الطلاب ..........يرتدي طربوشًا أحمر بذر....... ويقف على أحد الكراسى ويلقي قصائد شعر عامية تتندر من عدد السنوات العشرة الذي قضاها بالكلية وما زال طالبًا في السنة الثانية........وقصائد زجل ساخرة من الدراسة وصعوبتها.. وكان الزجل مصاغ بطريقة شيقة وجميلة... وكان الهدف بعد معارك الكاراتيه وتمزيق المجالات نقل الطلاب إلى حالة من السخرية والضحك لفض حلقات النقاش بشكل لطبيعي...
وكان المشهد اليومي طوال شهري نوفمبر وديسمبر داخل هندسة القاهرة هو مشهد متكرر:
تظهر جماعة شباب الإسلام في فناء الكلية..... يبدأ (عدلي مصطفى) في إلقاء خطبته الدينية... تنتهي الخطبة بتمزيق مجلات الحائط ومطاردة الطلاب اليساريين بفرق الكاراتيه... جمهور الطلاب في البداية لم يكن يفهم ما يحدث... يعتقد البعض أنها مشاجرة بين الإخوان والشيوعيين... والكل يفر جاريًا أمام فرق الكاراتيه........
بعد ربع ساعة تبدأ جماعة (قدامي الطلبة) في أرتداء الطرابيش وإلقاء الأشعار الساخرة... يقف الطلاب حولهم يضحكون على حالهم وعلى سنوات رسوبهم!!!!!!!!!!
الهدف هو: وأد مجلات الحائط وحلقات النقاش اللتين يؤديان إلى تجمع الطلاب.
كان لحزب الله جماعتان: (شباب الإسلام) و(قدامي الطلبة)
وكان لحزب الشيطان جماعتان: (أنصار الثورة الفلسطينية) و(جواد حسني) ...كان هذا في هندسة القاهرة... أما في باقي الجامعة والجامعات فقد أثبتت الوقائع والأحداث (قصة التنظيم الذي كان يقوده محمد عثمان أحد رجالات الدولة بالاتحاد الاشتراكي بمحافظة أسيوط..... والذى كان يسلح عناصره ويخطط لهم لضرب القيادات الطلابية الماركسية) ....وكان أغلب عناصر هذا التنظيم من التيار الإسلامي.
سلاح التكفير أستخدمه النظام الحاكم (هو والتيار الإسلامي) ضد الطلاب المعارضين وضد التيارات الماركسية داخل الحركة... لم يكن النظام يدرك أن نفس السلاح سوف يستخدمه التيار الإسلامي في إغتيال رأس النظام وذبحه في ظهيرة 6 أكتوبر 1981...... (لإنه كافر لم يحكم بما أنزل الله!!! ).......
في كلية الحقوق جامعة القاهرة ومع إستقبال إتحاد طلاب الكلية لطلبة السنة الأولى... أخذ رئيس الإتحاد الموالي للدولة ولأجهزة الأمن يحذر الطلاب من الشيوعيين الكفرة.... والناس اللي ليهم لون محدد بتوع الحركة الطلابية..... ولما وقفت طالبة من طلبة السنة الأولى لتطلب منه سماع وجهة النظر الأخرى تقدم أحمد شرف الدين عضو جماعة الدراسات الاشتراكية بالكلية.... ليشرح مطالب وأهداف الحركة الطلابية...... فإستطاع إجتذاب الغالبية العظمى من الحاضرين من الطلاب للتعاطف مع الحركة الطلابية....... ومع تصفيقهم له:
بدأت مطاوي وجنازير فرق محمد عثمان في الظهور والضرب...... وإرهاب الجميع....
وعلى أثر ذلك تم طعن أحمد شرف بمطواة في فمه وأصيب بجرح قطعي في شفاه..... ظل واضحًا طوال عمره فوق فمه (3 غرز خياطة)....... وصلاح موسى جرح قطعي في الجبهة (4 غرز)................ وشاب من الإسماعيلية طالب بكلية الحقوق (لا أتذكر أسمه الآن) جرح قطعي في الجانب الأيسر (6 غرز) كادت تصل المطواة إلى كليته اليسرى... نقل الطلاب الثلاثة من جماعة الدراسات الاشتراكية إلى المستشفى... لقد كان الضرب بجنون ووحشيةمن خلال إتحاد الطلاب ومخبريه مع فرق التيار الإسلامي التي شكلها محمد عثمان... الغريب في الأمر... أن السادات ذاته روي هذه القصة في أحد خطبه بالمقلوب .... قال كاذبا:
"كان فيه مؤتمر في كلية الحقوق... وقفت طالبة في المدرج تقول:
إين هو الله؟ حد يقدر يثبت أنه موجود؟
وحطت أيديها في جيبها وقالت: لا يوجد شيء أسمه الله...
طبعًا الطلبة ثارت وقامت الخناقة والضرب"
كذب ما بعده كذب... واستخدام سلاح التكفير عند العجز السياسي.... وتشويه المعارضين بأي صورة وأية وسيلة.. بشر ينوبون عن الله لمحاسبة الآخرين... محاكم تفتيش فاشلة أبتدعها الإسلاميون بالتحالف مع النظام الحاكم طيلة سنوات السبعينات.
وكانت أعمال الغدر والدسيسة هي النمط السائد من قبل أجهزة الأمن تجاه الطلاب:
فلقد كان هناك مجلتان حائط أسم كل منهما "الاعتصام"...
الاعتصام الأولى: كان يصدرها الطالب والشاعر والمهندس عصام الغزالي...... ويكتب تحت عنوان المجلة الآية الكريمة (واعتصموا بجبل الله جميعًا ولا تفرقوا).... وكان عصام ذوميول إسلامية .... لكنه كان إنسان دمث الخلق يعبر عن خلافه السياسي بصراحة ويرفض التعامل مع أجهزة الأمن..... بإختصار كان إسلاميًا صادقًا.
الاعتصام الثانية: كنت أصدرها أنا وبعض زملائي نسبة إلى إعتصام الجامعة في العام السابق.
في المساء وبعد إنفضاض الطلاب إلى منازلهم ...أعطت المباحث أوامرها لأحد عملاءها بتمزيق الاعتصام الأولى مع المحافظة على الاعتصام الثانية... وتم استدعاء الطالب عصام الغزالي لمباحث أمن الدولة...
فلما ذهب قالوا له:
الشيوعيين مزقوا مجلتك لأنهم كفرة.. ولدينا معلومات أنهم سيمزقون أي مجلة تصدرها باسم الإعتصام.
أما المخبر الذي أخذ التكليف فلم يستطع التميز بين الإعتصام الأولى والإعتصام الثانية فمزق جميع المجلات التي عليها كلمة الإعتصام...... وفي الصباح وجد الغزالي مجلته ممزقة...... فأتجه نحوي بغضب شديد صارخًا: لماذا تمزقون مجلتي؟ لأنني مختلف فكريًا معكم...
فقلت له: أنظر.. إن مجلتنا أيضًا ممزقة.....
ولصدق عصام الغزالي (أبن المنصورة) والشاعر الرقيق.... فإنه عقد مؤتمرًا طلابيًا أعلن فيه كل ما دار معه من حديث داخل مبنى مباحث أمن الدولة حينما أستدعوه ليلاً... وفضح أكاذيبهم ومحاولتهم للوقيعة بين الطلاب.... ولهذا السبب تم إعتقال عصام الغزالي مع زملائه الطلاب حينما بدأت حملة الاعتقالات في 29 ديسمبر 1972.
عقلية جنرالات الداخلية لا تعرف سوى أسلوب المؤامرة... ودائمًا يجنون الخيبة الثقيلة...
(طبقة سطحية...... وعاملة فاصيحة..... وجايبة العار).......
النفخة الكذابة والغرور والغباء والسطحية تلك هي سماتهم الأصبلة... جنرالات لاظوغلي لا يفلحوا إلا في تنفيذ أوامر الاعتقال والتعذيب.
لقد كان يصدر داخل كلية الهندسة ما لا يقل عن عشرون مجلة حائط أشهرها:
* القرع مجلة كاريكاتير كان يصدرها طلعت فهمي.
* الكوسة كان يصدرها محمد محمد فتيح.
*بلدي كان يصدرها شاكر عرفة وكمال خليل
* والاعتصام مثل بلدى.
* الثورة مجلة حائط لسان حال جماعة أنصار الثورة الفلسطينية يحررها سهام صبري ومحمد توفيق وماجد أدريس وإبراهيم عزام.
* الكلمة كان يصدرها ناهد سعد زغلول ومحمد عابدين .
* جواد حسني مجلة حائط لسان حال جماعة جواد حسني يحررها أحمد بهاء شعبان وعبد العزيز شفيق وماجد الصاوي وعماد عطية ومنير مجاهد.
* الأرض تصدرها جماعة الأرض المهندسة عزيزة والمهندسة خديجة.
* بهية كان يحررها أحد الطلاب لا أتذكر أسمه وكان مجلة جميلة ومتجددة.
* ياسين مجلة يحررها المهندس ياسين وكنت إتجاهتها يميتيةوضدالتيارات اليسارية.
* مجلة الجماعة الدينية كانت لسان حال الجماعة الإسلامية.
* مجلة حائط كان يصدرها الطلاب المسحيين .
* الاعتصام يصدرها عصام الغزالي.
* أراء حرة يصدرها وائل عثمان والذي أصدر كتاب بعنوان أسرار الحركة الطلابية وكان ذوميول يمينية..
كان فناء كلية الهندسة يمتلأ بمجلات الحائط لكل من يريد أن يحرر مجلة
ظللنا لمدة أسبوعين نتلقى الضرب الموجع من فرق الكاراتيه بعد خطبة عدلي مصطفى....
وكان الضرب يبدأ مع تعليق مجلات الحائط..... ودائمًا يبدأ بطلعت فهمي محرر مجلة القرع.... لأن المجلة كانت تجذب جمهور الطلاب نحوها.. وكان مشهد طلعت فهمي وهو يجري مهرولاً وضاحكًا أمام فرق الكاراتيه منظرًا معتادًافى هذه الأيام...
طرد الخبراء السوفيت وبعض من التساؤلات
وعندما أتخذ السادات قرارا بطرد الخبراء السوفيت تمكنا من عقد مؤتمر طلابي حول قرار السادات بطرد الخبراء السوفيت ...وساعدنا فيه زملاؤنا الطلاب من الحرم الجامعي.....
وكشفنا في المؤتمر تناقض السادات بين ترديده الدائم في جميع خطاباته:
"بأن الاتحاد السوفيتي وقف إلى جانبنا في أحلك الظروف"
وبين ما قام به السادات من طرد الخبراء السوفيت...
وهذا الحادث يطرح صدق ما جاء في تساؤلات الطلاب في وثيقة يناير:
حول ما حجم وما مدى مساعدات الاتحاد السوفيتي لنا؟؟؟؟...
والحقيقة كان هناك إنقسام في الرأي بين الطلاب حول هذا الموضوع بين مؤيد لقرار السادات ومعارض له... وكان تقريبًا جميع فرق اليسار بالجامعة تعارض هذا القرار وكان إنحيازها للمعارضة :
من منطلق مواجهة المحتل... وأيضا من منطلق إنحيازها الأيديولجى.....
هل كانت خطوات السادات (وقف يا صادق) ثم طرد الخبراء السوفيت هي خطوات خداعية للعدو الصهيوني من أجل التحضير لحرب أكتوبر؟
هل كان قرار طرد الخبراء السوفيت خطوة في اتجاه مغازلة الإدارة الأمريكية والغرب بشكل عام؟
أم هو خداع ومغازلة في نفس الوقت؟!!!!!!لا أحد كان يدرى فى الماضى.....ولا فى الحاضر....
فحينما تغيب الحرية عن مجتمع... ويحكم البلاد حزب أوحد وديكتاتور أوحد... لن يكون هناك مجالاً للنقاش والمعرفة... ولن يكون هناك مجالاً للجماهير لأن تلعب دورًا في تحديد مصيرها...
مصيرنا دائمًا يحدده ديكتاتور أعلى... وقيادة عليا...
السادات كان يناورويخادع ولكن من أجل ماذا؟!!!!!
من أجل أهداف بعيدة......... أوصلتنا إلى سفارة للعدو الصهيوني على أرض مصر وتطبيع وإتفاقيات إستسلام للعدو الصهيوني.
ونعم كان يغازل الإدارة الأمريكية من أجل تدعيم نظام حكمه والطبقة الحاكمة..... ثم سار مبارك على طريقه بصدق وأصبحت مصر تدار تقريبًا من البيت الأبيض.
الشىء الوحيد الذى كان صادقا فى ذلك الوقت هو تساؤلات الطلاب التى طرحت فى وثيقة يناير والتى لم يجيبهم أحد عليها(حتى الآن) عن مدى حجم المساعدات السوفيتية لنا؟؟؟
لاشك إن هذا الحجم كان يخضع لظروف الحرب الباردة ولمصالح الإتحاد السوفيتى.....
ففى عام 1956 كان الإنذار الروسى.....وفى عام 1967 لم يكن هناك إنذارا روسيا ولا يحزنون رغم ان عدوان
67 كان هو الأخطر...وكان يشمل عدوان على ثلاث دول عربية!!!!
المهم بعد المؤتمر الذي عقد بمدرج الساوي حول قرار السادات بطرد الخبراء السوفيت.... قام البلطجية من أنصار جماعة شباب الإسلام وعناصر المباحث بالكلية بالإعتداء على زميلنا أحمد بهاء الدين شعبان بالشوم والعصي... وكاد الضرب فوق الرأس أن يدفع ببهاء إلى حافة الموت... وحملناه سريعًا إلى مستشفى القصر العيني مغشيًا عليه... فعلاً ديمقراطية لها أنياب كما كان يتحدث السادات.
ماذا نفعل؟ ضرب مبرح من فرق البلطجية بشكل يومي!!!
اتهامات بالكفر والإلحاد!!!
اتهامات بالعمالة للاتحاد السوفيتي!!!
لولا الصمود لتمكنت الدولة من مصادرة مجلات الحائط وفض جمهور الطلاب عنها... كان الصمود كل يوم يكشف أبعاد المخطط المباحثي ويفضح عناصر التيار الإسلامي لجمهور الطلاب...
لكن طاقتنا كانت بدأت على وشك النفاذ..... فمجلة الحائط التي يجري إعدادها في أربعة ساعات على الأقل.... يتم تمزيقها في دقائق قبل أن يقرأها أحد... كثفنا من إجتماعاتنا خارج الكلية...
عند النقاش كان هناك وجهتان نظر:
الوجهة الأولى: أن نتسلح في مواجهة فرق الكاراتيه بالشوم للدفاع عن أنفسنا وعن مجلات الحائط... لكن الأغلبية رفضت هذا الاتجاه لأنه سيعزز من مخطط أجهزة الأمن... والطلاب لن ينحازوا لأي طرف من طرفين مسلحان بالشوم... سيرى الطلاب أن الأمر خناقة بين طلاب من اتجاهات مختلفة (إسلاميون وشيوعيون)...
الوجهة الثانية: كانت ترى أن الصمود أمام البلطجة وعدم التسلح هو الذي سيكشف المؤامرة.....
وهو الذي سيجعل الطلاب يكتشفون المخطط...
وحينما يتحقق ذلك سيتمكن الآلاف من الطلاب الذي أشتركوا في اعتصام يناير 1972 ومظاهرات التحرير (الكعكة الحجرية) بسحق فرق الكاراتيه...
وحينئذ تكون المعركة معركة جماهير الطلاب ضد عملاء أجهزة الأمن بما فيهم الإسلاميون...
وتمخض هذا الرأي عن أهمية تشكيل لجان من الطلاب بكل كلية للدفاع عن الديمقراطية والدفاع عن مجلات الحائط وحلقات النقاش... كما أتبعنا تكتيك الإنتشار الواسع:
بمعنى عدم تركيز مجلات الحائط في منطقة واحدة ( فناء الكلية)......... لأن ذلك يسهل على عملاء الأمن سرعة تمزيقها وأمام الطلاب المتواجدون في الفناء فقط...
قررنا نشر مجلاتنا ودعايتنا بين جميع مباني الكلية وفي المدرجات.....فحينما يمزقوها سيكون ذلك أمام الآلاف من الطلاب في أماكن متعددة... كما أتبعنا أسلوب العبارات السريعة التي تكتب في دقائق وذلك لسهولة كتابتها مرة ثانية وبسرعة بعد تمزيقها...
إنها حرب قررنا أن تكون حرب عصابات... انتشار واسع... دعاية سريعة... خفة في الحركة... تشتيت لقوة العدو... إذا تصدى البلطجية لدعايتنا ومزقوها في مكان ما... ففي أماكن أخرى دعايتنا لم تمزق... وعندما يمزقون دعايتنا في مكان وينتقلون لمكان آخر سوف نزرع دعايتنا في المكان الأول بسهولة وكتابتها في دقائق معدودة...
بدأنا نطبق هذا التكتيك لمدة ثلاثة أسابيع متتالية... وكل يوم كنا نكشف المخطط الإجرامي لجماهير الطلاب ونكشف لهم عن العلاقة بين (جماعة شباب الإسلام) و(جماعة قدامي الطلاب).... شيئًا فشيء بدأت جماهير الطلاب داخل الكلية وفي الجامعة تكتشف الحقيقة... وفقدت أزجال قدامى الطلبة بريقها لدى الطلاب.... وعرف الطلاب إنها دعوة للمسخرة بدلاً من حلقات النقاش... تحددت وجوه العناصر المباحثية الإسلامية لجمهور الطلاب... بدأ الطلاب في التصدي لفرق الكاراتيه بالهتاف:
"مباحث.. مباحث"...
أصبح عدلي مصطفى وأعوانه يتلقون الاهانات من الطلاب مثل:
"هوه الإسلام أمرك بالبلطجة وتكفير الناس"...
"أنتوا عملاء لأجهزة المباحث تتستروا بالإسلام"...
نجحت لجان الدفاع عن الديمقراطية بالجامعات والكليات المختلفة في إفشال المخطط الأمني لإجهاض الحركة الطلابية... تصدت جماهير الطلاب لعملاء المباحث وفرق الكاراتيه والتيار الإسلامي... عادت مجلات الحائط تزدهر في الكليات ومن حولها حلقات النقاش والندوات والمؤتمرات...
واجتمعت جماعة جواد حسني وأنصار الثورة الفلسطينية... وقررنا تنظيم زيارة لمدينة السويس....
والإلتقاء بالأهالي الصامدين داخل مدينتهم وبفرقة أولاد الأرض......
وتحدد ميعاد الزيارة يوم الجمعة 29 ديسمبر 1972..... وفي يوم الخميس 28 ديسمبرألقى السادات خطبة سياسية على الشعب كانت جميعها على الأحداث في الجامعة... ذكرنا في الخطاب بالديمقراطية ذات الأنياب... وأخذ يتحدث قائلاً:
"اليسار جوه الجامعة بيحرض... واليمين مبسوط وبيضحك في كمه... اليسار المتطرف بيتحالف مع اليمين المغامر... والقاعدة الطلابية سليمة"
لم يتوقع أحد أن يقوم النظام في فجر الجمعة 29 ديسمبر وعقب الخطاب بساعات قليلة بالقبض على الصف الأول من قيادات الحركة الطلابية...
لقد فشل مخطط طلبنة الحركة وشباب الإسلام وقدامي الطلبة..
لم يكن أمام النظام سوى الإعتقال.....
في الصباح الباكر ذهبت إلى منزل صديقي وزميلى بالكلية شاكر عرفة...... لكي نسافر معًا إلى السويس.... خرج أبيه إلى الشباك يشاور لي بالإبتعاد عن المنزل قائلا:
"المباحث عندهم فوق....... جايين يقبضوا على شاكر"... أطلقت قدماي للريح.. ذهبت إلى مكان الأتوبيس الذي كان سينقلنا إلى السويس .....عرفت هناك أن سهام صبري وأحمد فتيح وأحمد بهاء شعبان وأحمد هشام وعصام الغزالي وغيرهم قد تم القبض عليهم في الفجر... قمنا بزيارة مدينة السويس.... وفي هذا اليوم توالت الأخبار بإعتقال أحمد عبد الله رزة رئيس اللجنة الوطنية العليا وحوالي 95 طالب من الجامعات المصرية المختلفة... 
الحلقة القادمة الاسبوع القادم (اعتصام يناير 1973 ومظاهرات الشوارع وإغلاق الجامعة)

الجمعة، 12 فبراير، 2010

الحلقه الثامنة : من سجن القلعة و الاستئناف الى التنظيمات الماركيسية

سجن القلعة و الاستئناف
دخلنا (أنا وسمير الشربيني) إلى حي داير الناحية بعد الإفراج عنا من مبنى لاظوغلي... كنا حائرين والحزن يملأنا... هل نذهب إلى بيوتنا؟... أم نذهب إلى بيت شاكر عرفة؟..... ماذا سنقول لأمه؟..... ماذا سنقول لأبيه؟.... أخذوا شاكر وأفرجوا عنا...
قررنا أن نذهب لبيت شاكر أولاً... ذهبنا... كانت الدموع تترقرق في عيني أمه الحنونة وأخواته... أما أبيه فقد كان رجلاً شامخًا وحنونًا أستقبل كلامنا بابتسامة هادئة قائلاً:
"وماله طالما يا كمال أنت وسمير رجعتوا كأن شاكر رجع... أوعى أشوف دمعة في عينيكم.. وشاكر راجع راجع يعني همه هيعملوا فيه إيه؟!... زيه زي الثلاثين أخواته... هيرجعوا..."
... كان رجلاً عظيمًا وكنا نتعامل معه جميعًا كأب لنا.... لأنه كان رجلاً حكيمًا... ورغم كبر سنه كنت أشعر معه أثناء الحديث بالحيوية والشباب (رحمك الله يا أبو شاكر)...
بعد ذلك توجهنا أنا وسمير إلى بيتي وتجمع جميع أبناء الحي في 29 شارع داير الناحية حارة سيدي الأربعين... أمي وأخواتي وأبناء الحي جميعنا نشعر بلوعة شديدة على عدم عودة شاكر عرفة... أنا وسمير نحكي عما حدث... نحكي... ونبكي...
محمد خليل يحاول أن يلطف من الجو... ويحكي لنا عن مظاهرات التحرير والكعكة الحجرية... أحد أبناء الحي يقول:
لقد شاهدت إعلانا سينمائيًا كبيرًا بأحد الميادين لفيلم أجنبي أسمه "عشيقة نفسها"... ذهلت عندما لمحت طالبًا يصعد على عامود نور بجانب الاعلان ويكتب بجوار إعلان الفيلم جيهان السادات ليصبح أسم الفيلم:
"جيهان السادات عشيقة نفسها"... لقد صفق له جميع الواقفين أسفل الإعلان... وساروا يهتفون: "العيد ده مش عيدنا"...
كان يوم الجمعة هذا تقريبًا إما ليلة وقفة عيد الأضحى أو أول أيامه لا أتذكر.... أحضرت أمي شوربة ولحم وقالت:
"كلوا يا ولاد تلاقيكم هافتنين... بكرة شاكر يرجع هو وأخواته كلهم"......
سهرنا حتى الصباح... ثم نمت.. نمت نومًا عميقًا... أحلم بشاكر وبأحمد عبد الله وبأسطبل الأمن المركزي بالدراسة.. ويا نعيش سوا... يا نموت سوا... والطالب دخل المعتقل سنه 18... وقعد في المعتقل لما بلغ 118... وكيم أيل سونغ الزعيم المحبوب من الشعب الكوري بالإضافة إلى 30 طالب بجامعة القاهرة... والسادات مخ لص... وجيهان السادات عشيقة نفسها... وشبورة الفجر في الحرم الجامعي... وشرف العقيد الفولي... والكعكة الحجرية..."
قمت من النوم في المغرب... أرتديد ملابسى.. قالت أمي مداعبة:
(على فين يا أبو عرام؟... خد بالك أخوك عبد المنعم بيقول أنك لازم هتكوم من الـ 30)...
قلت لها: يا ريت كنت أستريح وأكون مع شاكر... قالت: يا واد بكرة شاكر هيرجع... بس خد بالك من نفسك... نزلت إلى الشارع... سرت إلى ميدان الدقي... دخلت أحد محلات العصير... خرجت من المحل... لاحظت أن هناك سيارة تسير خلفي... سرت في الإتجاه العكسى لحركة سير السيارة... لاحظت أن هناك من يتعقبوني خارج السيارة... جريت ناحية فرن الجهاد... جريت مسرعًا داخل حواري داير الناحية... عدت إلى البيت... رويت لأمي وأخي عبد المنعم ما حدث... أخذ أخي يهدأ من روعي... أروي له ما حدث.. لكنه كان يقول لي:
دي تهيؤات.. محدش كان وراك...
وفجأة وجدنا نصف دستة من تيران المخبرين والضباط يقتحمون المنزل... ويقبضون علىّ.... وأمي ترفع يديها للسماء مهددة للضباط:
"يا رب اللي يمد أيده على أبني... تتقطع أيده... يا رب اللي يعذب أبني... يفرمه ترماي... أنا أبني يتيم واللي هيعمله حاجة... هتقعد له في عياله..."
رغم بساطة هذا الدعاء.... والذي كانت تعتقد أمي أن سيحميني من أي أذى لضباط أمن الدولة... لكني لاحظت أنه يبث الرعب في قلوبهم... لقد كانت أمي تقاوم بطريقتها (يا سلام يا أم عبده يا ست الكل)... أخذوني في سيارة ملاكي... وكانت هذه هي المرة الأولى التي أركب فيها سيارة ملاكي تسير داخل حواري الحي... أجلس في الكنبة الخلفية وحولي اثنان من المخبرين... وفى الأمام أحمد همام ضابط أمن الدولة والذى أصبح محافظًا لأسيوط فيما بعد).... سارت السيارة إلى طريق صلاح سالم ومنه اتجهت إلى مرتفعات القلعة... إنه سجن القلعة المخيف..... كنت أسمع عنه من أخي ومن الطلاب... الرعب كان يملأني... لماذا سجن القلعة؟ أكيد فيه تعذيب... أنا لا أخاف التعذيب... لكني أخاف أن ينتزعوا مني إعترافات على زملائي.. أي إعترافات يريدونها؟!!! كل شيء كان معلن داخل قاعة الاحتفالات الكبرى... وثيقة الطلاب كانت معلنة... مجلات الحائط معلنة... خلاص يبقى مفيش غير حكاية كيم أيل سونغ... طلع لنا منين ده سي كيم مش عارف..... يمكن يقولوا قول أن أحمد عبد الله وأحمد بهاء وسهام دول خونة... لأ دول ناس أشرف من الشرف... ووطنين أكثر من السادات وعصابته... يا ترى إيه سجن القلعة ده؟ العربة الملاكي تصعد إلى منحنيات وسط الظلام... وجنود يحرسون بوابات... والعربة تمر من بوابة لأخرى... بيت الرعب... حتى وصلنا إلى بوابة خشبية مغلقة... فتحت البوابة... وضعت العصابة السوداء على الأعين... ضلمت خلاص... أمسك أعصابك... يا نعيش سوا... يا نموت سوا... الخوف يكاد يخلع قلبي... سمعت صوتًا يقول:
"ده كمال خليل الأصلي"... لم أفهم شيئًا من الجملة... سترك يا رب.. أحسست بيد خشنة تأخذني من ذراعي... دخلت زنزانة... رفعت العصابة من على عيني وعين طالب آخر أدخل معي إلى الزنزانة... ثم قفل باب الزنزانة... وجدنا شخصًا عملاقًا جالسًا على الأرض... أسود اللون... طويل القامة... عيناه محمرتان... وقف ناهضًا... الطالب الذي كان معي أخذ يصرخ:
"أنا ما عملتش حاجة... أنا ما عملتش حاجة"
لقد أعتقد أن هذا العملاق الأسمر هو الذي سيقوم بتعذيبه... وأنا اعتقدت كذلك...
لكننا فوجئنا بهذا العملاق ينطق في طيبة شديدة:
"متخافوش أنا طالب معتقل زيكم... أنا أسمي بشير من طب عين شمس..."
أخذنا نضحك نحن الثلاثة... لقد كان بشير شخصًا جميلاً ورائعًا... كانت عيناه محمرتان من شدة الارهاق... أخذ يحكي لنا عن إعتصام جامعة عين شمس وكيف تم القبض عليه... ونحكي.... ونحكي.... ويتم نقلنا كل يوم من زنزانة لأخرى... وفي كل زنزانة نتعرف على طلاب جدد من جامعات أخرى وكليات أخرى... وكانت السجون فرصة للتعارف وتكوين الصداقات والعلاقات الحميمة...
ظللت مع أكثر من أربعين طالبا في سجن القلعة... لم نتعرض لأي تعذيب سوى عمليه الصعود المرعب للسجن... والزنازين العالية التي لا يوجد ببابها سوى ثقب واحد... استنتجنا داخل سجن القلعة أن قصة الثلاثين هي قصة وهمية... وأن الأمور تقترب على الأقل من مائة شخص... ويا عالم...
بعد ثلاثة أو أربعة أيام تم نقلي مع خمسة من الطلاب في عربة ترحيلات إلى سجن آخر... بعد أن قالوا لنا: إفراج...
وجدت نفسي أمام بوابة سجن كتب عليها:
"دار الإصلاح والتقويم... سجن الاستئناف"...
اعتقدت إنها إصلاحية وليست سجن... إصلاح وتقويم تبقى إصلاحية... فتح باب السجن... وفي فناء السجن وبعد أن عبرت البوابة وجدت أمامي كل من أحببتهم شاكر عرفة/ أحمد عبد الله/ زين العابدين فؤاد/ أحمد بهاء شعبان/ وآخرين لم أكن أعرفهم... أحمدك يا رب... أخيرًا التقيت بهم... أخذت أحكي لهم قصة لاظوغلي.. ومحل عصير القصب... والقبض علىّ وهم يبتسمون... فهمت من شاكر أنهم كانوا قد قبضوا من الدور الأول بمعهد أمناء الشرطة على طالب أسمه كمال خليل من كلية الزراعة... لذلك لم يتم نده أسمي في الدور السابع... وأثناء التحقيق اكتشفوا أنه طالب بكلية الزراعة وليس الهندسة فأفرجوا عنه.. ثم ذهبوا لإعتقالي.... مكثت مع شاكر في زنزانة واحدة.... كان معنا في هذه الزنزانة بعض الطلاب والدكتور نادر فرجاني أحد أساتذة الجامعة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية والذي كان يؤيد الحركة الطلابية..... وأيضًا كان معنا المحامي النبيل محامي الشعب نبيل الهلالي... بدأنا نتعرف على سجن الاستئناف ودرب سعادة الممر الخلفي للسجن... ومكان تهريب الرسائل السرية لخارج السجن... يكفي أن تكتب رسالتك وتضعها في نصف رغيف مثل شقة الفول والطعمية وتربطها بخيط... وتطوح شقة الخبز بيديك لتمر من فوق سور السجن لتكون في يد صديقك الذي ينتظر الرسالة في درب سعادة... تعرفنا أيضًا على غرفة الإعدام بسجن الاستئناف... يشنق الرجال بسجن الاستئناف... تشنق النساء في سجن الحضرة... السجن بجوار محكمة الاستئناف.. في الليل كان يأتي إلينا بعض الأقارب ويحدثونا من أسفل... ونحدثهم ونحن مشعلقون على الشبابيك الحديدية للزنازين... تعلمنا كيف نربط البطانية السوداء بحديد الشباك في الزنزانة ونجلس عليها كمرجحية... طبعًا يا أبني بقينا رد سجون خلاص... شاهدنا التوتو والمبسم واللي يعيش ياما يشوف.. وسمعنا أناشيد واحد يا ورد وأتنين يا فل... بقينا عيال كفاحتية...
قبل أحداث اعتصام هندسة القاهرة كنت قد قدمت على سلفة من بنك ناصر... وأخذت سلفة عشرين جنيه (مرة واحدة)... أشتريت بوتاجاز لأمي أربع عيون بدون فرن (بـ 18 جنيه)... وأتشبرقت بـ 2 جنيه... لما حضر أخي محمد خليل من عند محكمة الاستئناف ينده عليّ أنا وشاكر... ركبت البطانية وقلت له:
"أنا كويس... متخافش عليّ أنا مع شاكر ودكاترة الجامعة... قول لأمي تخللي بالها من البوتاجاز..."
كنت أقصد أن أخفف على أخي محمد لأنه كان عاطفي وشديد التأثر عندما يرانا داخل السجن... كنت أقصد أن أرسل رسالة لأمي مازحًا معها بموضوع البوتاجاز...
(أنا مش عارف دلوقتي البوتاجاز ده راح فين؟ ولسة عايش ولا.. لأ...)...
استمرت هذه الحبسة بالنسبة لي لمدة عشرة أيام.. بعدها دخل الزملاء في مجموعات إفراجات متتالية... وحينما انتهى الشهر الذي أغلقت طواله الجامعة بدء من يوم 24 يناير كان الجميع قد أفرج عنهم جميعًا... وفي الأسبوع الأول من افتتاح الجامعة نظمنا مظاهرة كبرى طافت بالحرم الجامعي... في هذه المظاهرة اكتشفت نفسي... بشكل تلقائي وفوري أخذت أهتف دون ورقة مكتوبة ودون إعداد سابق للشعار وكانت هذه أول شعارات ينطقها لسانى:
من حقوقنا يا جماهير ... حق النشر والتعبير
مش هنخاف مش هنخاف ... لا من قلعة ولا إستئناف
مش هنخاف مش هنخاف ... دا أحنا بناكل العيش الحاف
آل يا أمي آل يا أمي ... هيحررها ف مولد النبي
خلوا الفقرا تشوف النور ... زودوا لهم الأجور
سيد مرعي يا سيد بيه ... كيلو اللحمة بقى بجنيه
قولوا للنايم في عابدين ... العمال بيناموا جعانين
شربوا الفقراء المر سنين ... يا ما ليالي باتوا جعانين
شربوا المر وشربوا القهر ... وبيستلفوا طول الشهر وجاءني المسيس الذي مسح شعار (فلترتفع أجور العمال) من أعلى أسفلت الشارع مع بدء اعتصام هندسة القاهرة... يا زميل خللي الشعارات وطنية ديمقراطية...
فابتسمت له قائلاً:
الشعب أتهان. الشعب أتذل
بقت العيشة خل في خل...
ضحك وقال: أنت مفرزه شعارات
قلت له: سيد مرعي الأمين... يبقى حرامي الفلاحين
وانتهى عام 1972... ومع نهاية عام 1972 اختفى شيء أسمه اللجنة الوطنية العليا للطلاب... واختفت اللجان الوطنية التي أنتخبت من مؤتمرات جماهيرية... تم حلها بدون إعلان... لماذا لم تستمر اللجان الوطنية كشكل تنظيمي جماهيري للحركة؟.... ظل هذا السؤال يراودني دائمًا... لا أجد سوى الصمت من قادة الحركة... كنت أرى أننا نهدم ما بنيناه بسهولة وبدون سبب مفهوم؟...... وكان البعض يجيب أن الحركة ستفرز أشكالاً جديدة... دخلنا في موسم الامتحانات... ثم الأجازة الكبيرة... وكان صيفًا ساخنًا... وقل لي إلى أين المسير في ظلمة الدرب العسير؟
خريطة الحلقات و ا لتنظيمات الماركسية بالجامعة 
في يوليو 1972 إنضممت إلى حلقة (الطليعة الثورية الاشتراكية)، وكان هذه الحلقة تصدر مجلة شهرية سرية تسمى "شروق"، وقد شاع أسم هذه الحلقة بأسم المجلة ، وكان يطلق عليها مجموعة شروق، وإنضم إلى هذه الحلقة عدد غير قليل من أبناء الحي (داير الناحية وعزبة أولاد علام)... وعرفت فيما بعد أثناء الحركة الطلابية عام 1973 وداخل سجن القناطر (من11 فبراير 1973 حتى 3 أكتوبر 1973) أن هذه الحلقة تضم عدد كبير من الطلاب داخل جامعة القاهرة وعلى الأخص بكلية هندسة جامعة القاهرة.... وكانت جميع أفكار هذه الحلقة ورؤيتها السياسية قد طبعت في كتاب خارج مصر بقلم (ط. ث. شاكر):
و(ط) يعني طليعة.....، و(ث) يعني ثورية......، ولا أدري حتى الآن ما العلاقة بين كلمة شاكر واشتراكية... ربما أضيف كلمة شاكر للدلالة على أن شخصًا ما هو مؤلف هذا الكتاب... فتم الخلط بين الحروف التي تشير لأسم الحلقة والأسم الحركي للمؤلف... عرفت بعد سنوات أن مؤلف هذا الكتاب هو المناضل (ميشيل كامل) رحمه الله...
وأنا قد أطلعت على أعداد مجلة شروق لشهور (من يوليو حتى يناير 1973)... حوالي سبعة أعداد تقريبًا.... بعد ذلك كنت في سجن القناطر...... علاوة على وثيقتين أتذكر عنوان أحدهما "التحريفية هي الخطر الرئيسي في الحركة الشيوعية المصرية".... هذه الحلقة كان لها بعض رموز من قيادات الحركة الشيوعية القديمة...... كانوا يكتبون مقالات علنية بأسمائهم الشخصية في مجلة الكاتب، هذه الحلقة إعتقال عدد غير قليل من قياداتها أثناء الحركة الطلابية في عام 1973 وكان من أبرز الأسماء المعتقلة في ذلك الوقت (نبيل الهلالي – أديب ديمتري – فوزي حبشي – جميل حقي "كفر الزيات" وآخرين)...
هذه الحلقة أندثرت من الوجود في أكتوبر 1973 لأنها دخلت (قبل ذلك بشهور) في محادثات للوحدة وإندمجت مع مجموعات أخرى لتكوين ما يسمى بالحزب الشيوعي المصري.. لكن عند الإندماج رفضت مجموعتان من داخلها هذا الإندماج..... وأعتبرت كل مجموعة (بشكل منفرد):
أن الرؤية السياسية الناشئة عن الإندماج رؤية يمينية.....ولا تمت بصلة للرؤية السياسية التي تبنتها حلقة شروق...
تنظيم شروق هذا كان عمره قصيرًا... ولأي باحث يريد أن يحدد المنظومة الفكرية والسياسية لهذه المنظمة ينبغي أن يرجع إلى ما يلي:
1- كتاب ط. ث شاكر.....
2- الأعداد السرية لمجلة شروق الشهرية من بداية صدورها حتى شهر أكتوبر تقريبًا.
3- مقالات لبعض رموز وقيادات هذا التنظيم بمجلة الكاتب وعلى الأخص مقالات أديب ديمتري عامى 72 ,73 .
4- بعض الوثائق التي أصدرها التنظيم وأعتقد أنه لا توجد حاليًا (عام 2007) نسخ منها سوى في أرشيف أجهزة المخابرات ومباحث أمن الدولة.
من خلال عملي بتنظيم شروق عرفت أن هناك تنظيم ماركسى آخر يسمى (ت. ش. م) تنظيم شيوعي مصري وكان يطلق عليه أسم (تشم)...... وكان هذا التنظيم أوسع وأكبر من "شروق" وقد تحول بعد ذلك هذا التنظيم إلى حزب العمال الشيوعي المصري..... وكانت مجلته "الأنتفاض" تصدر بشكل منتظم..... وقد أصدر هذا التنظيم عدد من الكتيبات الهامة والتي كانت تطبع خارج البلاد وتهرب إلى الداخل، وكان حزب العمال الشيوعي أو "تشم" في ذلك الوقت يمثل الإتجاه الراديكالى و الأكثر جذرية في مواجهة الدولة، ويمكن التعرف على المنظومة الفكرية والسياسية لهذا التنظيم من خلال:
1- كتيب طبيعة السلطة والتحالف الطبقي بقلم شيوعي مصري.
2- المسألة الزراعية (مناظرة مع كتاب إبراهم عامر الأرض والفلاح) بقلم صالح محمد صالح.
3- ورقة حدود أكتوبر.
4- أعداد مجلة الانتفاضة والتي كانت تصدر في وتيرة سريعة ومنتظمة تقريبًا كل أسبوع.
أستمر هذا التنظيم أو حزب العمال الشيوعي فعالاً وحيويًا حتى انتفاضة يناير 1977 لكن حدثت إنشقاقات بداخله منذ تقرير صدر في مايو 1976..... ومر بعد ذلك بحالة من الأزمة التنظيمية الداخلية سميت داخل التنظيم بمرحلة الإنحراف البيروقراطي.
وإذا تحدثنا عن الحركة الطلابية (من أكتوبر 1972 إلى أكتوبر 1973)...... فإن التواجد الفعلي والمؤثر للتنظيمات الماركسية في الجامعة كان لمجموعتين رئيسيتان هما:
مجموعة "شروق"........ ومجموعة "تشم".........
عدا ذلك لتجمعات ماركسية ذات تواجد ضعيف وغير مؤثر.... أو أفراد ماركسيين مستقليين.
بعد عام 1973 أندثرت شروق وإنضم غالبية عضويتها للحزب الشيوعي المصري .......عدا المجموعتان اللتان رفضتا خط الحزب الشيوعي المصري وهما:
مجموعة كنت أنتمي إليها ودخلنا بعد ذلك إلى "حزب 8 يناير".........
ومجموعة أخرى أطلقت على نفسها أسم "المطرقة"........
وحتى لا يحدث أي إختلاط على القارئ في خريطة التنظيمات الماركسية في الحركة الطلابية فإن يمكن تلخيصها كما يلي:
(أكتوبر 72 – أكتوبر 73): كان التواجد المؤثر لمجموعتين: "تشم" + "شروق"
(أكتوبر 73 – أكتوبر 74): كان تواجد الحلقات الماركسية فى الجامعة كما يلى :
حزب العمال الشيوعي + حزب 8 يناير + المطرقة + تواجد شكلي للحزب الشيوعي المصري وجماعة التيار الثورى.
(أكتوبر 74 – أكتوبر 75):كانت الحلقات كما يلى :
حزب العمال الشيوعي + 8 يناير + المطرقة + (العصبة....تنظيم مصطفى خميس )+ تواجد شكلي للحزب الشيوعي المصري وجماعة التيار الثورى.
(أكتوبر 75 – أكتوبر 76):كنت الحلقات كما يلى:
حزب العمال الشيوعي + 8 يناير + المطرقة + الزوتسكين (العصبة) + المؤتمر + الحزب الشيوعي المصرىوجماعة التيار الثورى (تواجد شكلي) .
أي أن الجامعة في الفترة من أكتوبر 72 وحتى أكتوبر 1976 شهدت تواجد لسبعة منظمات ماركسية....
كانت العلاقة بينهم تناحرية.... ورثت كل أمراض ماسمى بالحركة الشيوعية الثانية في العصبوية والإنقسام.....
ومع النصف الأول من الثمانينات كان مصير جميع هذه المنظمات إما التحلل أو الانفجار إلى شظايا أو التواجد الغير مؤثر...... ومع منتصف التسعينات كانت جميع هذه التنظيمات في الباي باي.......
أقول ذلك والدمع نازف......وأبتلع ريق المر وطعم الرزايا.
الحلقة القادمة الاسبوع القادم (شباب الاسلام وقدامى الطلبة وتكتيك حرب العصابات)

الجمعة، 5 فبراير، 2010

الحلقه السابعه : من إعتصام كلية الهندسة الى الكعكه الحجريه


أربعة أيام متواصلة (السبت/ الأحد/ الاثنين/ الثلاثاء) من العاشرة صباحًا حتى الخامسة مساءًا حلقات نقاش متواصلة في جميع الكليات بجميع الجامعات حول حالة اللا سلم واللا حرب .................................

خطاب السادات يوم الخميس (10 يناير 1972) وحكاية الضباب الهندي الباكستاني كانا الشرارة المفجرة لإنتفاضة الطلاب.....................

مرارة هزيمة يونيو 1967، البقاء في الخدمة العسكرية لسنوات طويلة لكل خريجي الجامعة دون أمل في انتهاء حالة اللا سلم واللا حرب، ديكتاتورية الحزب الأوحد وسيطرته على الحياة السياسية في البلاد، غياب الحقائق وانعدام حرية الصحافة, وأمينًا عامًا للإتحاد "الإشتراكي" هو أحد كبار ملاك الأرض، والإحساس العام بأن البلد دي مش ملك ناسها كل ذلك كان بمثابة العوامل الموضوعية المفجرة لإنتفاضة الطلاب........................

كان هناك فرق جوهري بين إ نتفاضة الطلاب في عام 1968، 69 وإ نتفاضتهم في أعوام 72، 73...

في الأولى كان التحرك سريعًا نحو الشارع والخروج بالمظاهرات.... أما في الثانية فإن الخروج إلى الشارع كان يتم عقب تجهيز طويل نسبيًا بالندوات والمؤتمرات ومجلات الحائط وحلقات النقاش وإصدار البيانات والاعتصامات... لقد أستخدم الطلاب المكسب الوحيد الذي انتزعوه في أعوام 68، 69 (وهو إنتزاع حرية إصدار مجلات الحائط وحرية تشكيل الأسر والجماعات) إستخدامًا جيدًا في التعبئة الجماهيرية وتنظيم الصفوف قبل الخروج إلى الشارع....................................................................

كان المقال الذي فجر حلقات النقاش في كلية الهندسة جامعة القاهرة بعنوان:

"ليتك لم تتحدث يا سيادة الرئيس"..... كتبه أحد الطلاب والذي لم يكن ينتمي إلى أي أسرة أو جماعة سياسية بالكلية... ولم يكن أيضًا من كتاب مجلات الحائط المنتظمين والمداومين على الكتابة... كان طالبًا عاديًا بكل معنى الكلمة... لم يكن من قيادات الطلاب أعوام 68، 69 وما بعدها... وأيضًا لم يكن من قيادات الطلاب في حركة السبعينيات... سطر هذا الشاب الجميل مقاله في أكثر من عشرين صفحة فولسكاب بقلم من الفولماستر... وبالدبابيس علق المقال ....حيث كانت هناك كتلة ضخمة من الطلاب تلتف حول قرأة المقال ...

لم يكونوا بالعشرات بل كانوا بالمئات وأغلبهم أيضًا من جمهور الطلاب الذي لم يظهر أمام حلفات النقاش والمعارض التي كانت تنظمها جماعة أنصار الثورة الفلسطينية وجماعة جواد حسني بالكلية (والتي كانتا تضمًا معظم الطلاب اليساريين بالكلية)... وكان الزحام حول هذا المقال في حالة أشبه بالزحام على الجمعيات التعاونية أو على أفران الخبز....وكان بداية لتوافد المئات لساحة الكلية...

في الماضي كان يمكن أن ترى كل يوم خمسة حلقات نقاش أمام مجلات الحائط وكل حلقة تضم حوالي 10 – 15 طالب... أما في هذه الأيام الأربعة كان من الممكن أن تشاهد أكثر من خمسة عشر حلقة وكل حلقة تضمن أكثر من مائة طالب وطالبة... الجميع يتحدثون في كل شيء... أزدهر فناء الكلية بمجلات الحائط القديمة والجديدة... والكل يطرح نفس التساؤلات:

إلى متى تستمر حالة اللا سلم واللا حرب؟

ما معنى الضباب الهندي الباكستاني الذي تحدث عنه رئيس الجمهورية؟

ما مدى حجم المساعدات التي يقدمها الإتحاد السوفيتي للجيش المصري؟

هل الخبراء السوفيت بمثابة احتلال؟

كيف تكون هناك حرية صحافة ونجد كل صباح ثلاث جرائد متشابهه الأهرام، والأخبار، والجمهورية؟

سيد مرعي أمين عام الاتحاد الاشتراكي كيف يكون اشتراكيًا وهو من كبار ملاك الأرض؟

هل انتحر عبد الحكيم عامر أم مات مقتولاً؟...

قال السادات العام الماضي أن هذا العام عام الحسم لحالة اللا سلم واللا حرب واليوم يقول لنا بسبب الحرب بين الهند وباكستان أن هناك ضبابًا؟!!

هية البلد دي بلدنا... وألا بلد مين بالضبط؟

أخواتنا اللي أستشهدوا في 1967 وفي معارك الاستنزاف 1969 دمهم راح هدر!!! أستشهدوا بلا ثمن!!!

ودار الأوبرا أتحرقت وقالوا ماس كهربائي... وكل يوم حريقة في حته ثانية وبرضه الماس الكهربائي!!!

كيلو اللحمة بقى بجنيه!!!

وسيد مرعي بيسمحوا له يبيع البطيخ اللي بيزرعه قبل ما تتحدد تسعيرة البطيخ علشان يضاعف أرباحه...

طبعًا ما هو أمين الاتحاد الاشتراكي!! والقرع مزروع في كل حتة في البلد...

إذا كان مجلس الأمة "اللي عاملينه همه" أتغير أسمه من مجلس أمة إلى مجلس شعب بتصريح رئاسى"!!!

يا عم دا مجلس قرع وكوسة.. مجلس تصفيق وموافقون!!!.........................

وكما كان خطاب السادات هو المفجر الذي أدى لهذه التجمعات والنقاشات الطلابية ....والتي لم تكن في كلية هندسة القاهرة فقط بل في كل الجامعات تقريبًا......................................................

فإن السيد/ كمال أبو المجد وكان وقتها (أمين عام منظمة الشباب الاشتراكي) هو مفجر اعتصام طلاب هندسة القاهرة... فحينما حضر إلى مدرج الساوي (أضخم مدرج بالكلية)..... وإستمع إلى تساؤلات الطلاب وأرائهم

لم تكن لديه أية إجابة... ولم يكن لديه سوى جملة واحدة:

سأنقل وجهة نظركم للجهات العليا وللقيادة والسياسية..

فواجهه أحد الطلاب من قلب كتلة لا تقل عن ثلاثة آلاف طالب غير المحتشدين خارج المدرج... كيف لا تمتلك أي إجابة أو نصف إجابة على تساؤلات الطلاب وأنت أمين عام منظمة الشباب...

إننا نقول لك: إننا معتصمون هنا في هذا المدرج حتى تأتي إلينا بالإجابة والرد من القيادة السياسية العليا... صفق الطلاب المحتشدون... وخرج أمين الشباب مهرولاً من المدرج... وبدأ الطلاب في الاعتصام بعد أن تم التصويت على قرار الاعتصام... وكان التصويت بإجماع الطلاب (أكثر من ثلاثة آلاف طالب),,,, ما عدا مندوب الجماعة الاسلامية الذي أعلن رفضه للاعتصام على إستحياء وخجل.

بدأ الطلاب في تشكيل ثلاث لجان للاعتصام:

لجنة إعاشة... لجنة دعاية وإعلان... لجنة نظام و اتصالات بالكليات الأخرى.

جمعت التبرعات لشراء سندوتشات العشاء (فول وطعمية وبطاطس)، وتم خلال ساعة واحدة عمل لافتة من القماش كتب عليها بالخط العريض:.....................................................

"اعتصام مفتوح لطلاب كلية الهندسة جامعة القاهرة"

تم تعليق اللافتة على الباب الرئيسي لكلية الهندسة لإعلام باقي طلاب الكليات الأخرى.. بدأنا في المساء بالكتابة بالخط العريض بالحجرالجيري على أرصفة الأسفلت بكافة الشوارع المحيطة بالكليةوحول صينية النصب التذكارى

معتصمون...آل أية مجلس أمة... واللي عاملينه همه...

أنور أنور يا سادات هيه فين الحريات... عايزين نعرف إيه حكاية الضباب الهندي الباكستاني... ليتك لم تتحدث يا سيادة الرئيس... أمين منظمة الشباب بوسطجي لا أكثر ولا أقل...

أنا وبعض الشباب من حيّ داير الناحية كتبنا بالخط العريض الأبيض على الإسفلت بالطباشير:

(فلترفع أجور العمال)... جاء إلينا أحد القيادات الطلابية المسيسة ومسح ما كتبناه قائلاً:

"لا.. دي شعارات طبقية... أحنا حركة طلابية ديمقراطية... خللوا الشعارات وطنية ديمقراطية..."

غاظنا ما قاله... وأستئنا من تصرفه... قلنا له: "أحنا نكتب اللي يعجبنا مش اللي يعجبك... أكتب ما تريد... وسنكتب ما نريد"

ذهبنا إلى أحد المحلات في بين السرايات وأشترينا علبة من بوية اللاكيه الحمراء وفرشاه عريضة وعدنا إلى ساحة الجامعة وكتبنا بالخط العريض على الإسفلت:

"فلترتفع أجور العمال... والإفراج عن عمال حلوان" والمقصود كان عمال الحديد والصلب الذين أضربوا عن العمل عن 1971 وتم إعتقالهم..... ولم نكن نعرف إن كان أفرج عنهم أم لا؟.

ولما جاء هذا المسيس الطلابي عجز عن مسح الشعار فلقد جف اللاكيه على الأرض...

"أبن الحارة... لا يمكن أن يكون وسط الطلاب وطنيًا ديمقراطيًا وفقط... هذا ما أدركناه وقتها بوعينا الفطري... وعيّ البؤس والفقر في حينا"...

هاجم "موسي صبري" صحفي النظام إعتصام طلبة كلية الهندسة في جرائد الحكومة ووصفنا بـ "القلة المنحرفة" "والملونيين".... ووصف القاعدة الطلابية"بالقاعدة السليمة"... ثم جاء بعدها ليتناقش مع الطلاب... طردناه من على باب كلية الهندسة... قلنا له: "أذهب أولاً... صحح ما كتبته على صفحات جريدتك الحكومية... ثم تعال لنتناقش... كيف تشتمنا وتشوه صورتنا أمام الشعب ثم تأتي للنقاش؟... في الماضي قد قلت:

"نعم أطبل وأرمز للسادات" فأذهب لمواصلة الطبل والزمر بعيدًا عن أدمغتنا"...

أستمر الاعتصام ليلة الثلاثاء ويوم الأربعاء... وفي مساء يوم الأربعاء حضر إلينا وفد من طلاب الكليات المختلفة بجامعة القاهرة... قال رئيس الوفد وزهرة شباب الحركة الطلابية والذي لم يكن يعرفه أحد وقتها والذي أصبح فيما بعد رئيس اللجنة الوطنية العليا للطلاب... تحدث أحمد عبد الله قائلاً بصوته المهيب والجليل:

"أنا زميلكم بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية... لقد اتفقنا جميعًا وبعد مشاورات طويلة دخل الحرم الجامعي والتي ضمت إناس من كليات مختلفة كماضمت زملائكم من لجنة الاتصالات بالإعتصام:

على نقل الاعتصام من كلية الهندسة إلى الحرم الجامعي... وفي صباح الخميس غدًا سندخل جميعًا قاعة الإحتفالات الكبرى لجامعة القاهرة من أجل توحيد الاعتصام ليصبح إعتصام طلاب جامعة القاهرة بدلاً من اعتصام طلاب هندسة القاهرة"....

قوبلت هذه الكلمات بالتصفيق والترحيب من الآلاف من طلاب كلية الهندسة وواصل أحمد عبد الله كلماته:

"ولقد اتفقنا أيضًا على أن يقوم طلاب كل كلية بإنتخاب خمسة طلاب إنتخابًا حرًا مباشرًا.... ليكون هؤلاء الخمسة هم اللجنة الوطنية للكلية...... على أن ينتخب الخمسة واحدًا من بينهم ليكون ممثلاً عن الكلية في اللجنة الوطنية العليا لطلاب جامعة القاهرة ......والتي ستتكون من المندوبين المنتخبين عن جميع الكليات".

أنصرف أحمد عبد الله... وعقدنا مؤتمرًا ضخمًا لجميع المعتصمين بالكلية... قمنا بانتخاب اللجنة الوطنية لطلاب كلية الهندسة"... وكانوا الخمسة كما يلي:

1- أحمد بهاء الدين شعبان 2- سهام صبري 3- محمد أبو الوفا

1- طالب (لا أتذكره أسمه لعب دورًا بارزًا في الاعتصام... وكان هذا الطالب هو الذي أعلن الاعتصام في وجه كمال أبو المجد).............5-كمال خليل.

وتم انتخاب أحمد بهاء الدين شعبان لكي يمثل كلية الهندسة في اللجنة العليا الوطنية لطلاب جامعة القاهرة.

وفي صباح يوم الخميس 17/1/ 1972 زحف الطلاب كالنمل على قاعة الإحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة...

تم إحتلال القاعة بجميع أدوارها... شكلنا اللجنة الوطنية العليا لطلاب جامعة القاهرة... عرفنا بعد ذلك أن نفس الشيء حدث بجامعة عين شمس... شكلنا نفس الثلاث لجان السابقة:

لجنة الدعاية والإعلام... لجنة الإعاشة... لجنة النظام والاتصالات....

قمنا بإحتلال مطابع جامعة القاهرة... إستولينا على بدروم قاعة الاحتفالات الكبرى حيث توجد به جميع ماكينات الطباعة وأيضًا توجد الآلاف من رزم ورق الطباعة والأحبار... دارت ماكينات الطباعة بواسطة طلاب من بين جماهير الطلاب كانت لهم دراية بأعمال الطباعة (أكيد ولاد حواري زي حالاتنا... كان يعملون بالمطابع لمساعدة أسرهم)... ومنذ هذه اللحظة أصبح الإعتصام إعتصام جامعة القاهرة بعد أن كان شرارته من طلاب هندسةالقاهرة.




إعتصام جامعة القاهرة والكعكة الحجرية

مطبعة الجامعة التي جرى إحتلالها سلميًا من قبل الطلاب، أخذ الطلاب يطبعون عليها منشورات سريعة :

تعلن عن اعتصام الطلاب بجامعة القاهرة وتوحد الطلاب في إعتصامًا واحدًا.... وتدعو إلى الانضمام للإعتصام... وتعلن عن تشكيل اللجنة الوطنية العليا للطلاب واللجان الوطنية بالكليات....

وكان يتم توزيع هذه البيانات على كافة المناطق المجاورة من حي بين السرايات وحي أبي قناته ومدرسة السعيدية وكليات الزراعة والطب البيطري البعيدة عن الحرم الجامعي وحي الجيزة الشعبي... توافد كثير من المثقفين والشعراء من خارج الجامعة على قاعة الاحتفالات... العشرات من حلقات النقاش بكل طرقه وردهة من الجامعة... شعارات على الإسفلت... لافتات من القماش...

نقل الاعتصام من كلية الهندسة إلى الحرم الجامعي أعطاه قوة دفع هائلة.. كل كلية انتخبت لجنتها الوطنية وأنتخب ممثلها في اللجنة الوطنية العليا... تميزت مجلات الحائط بالجمل القصيرة المختصرة أو الكاريكاتير... والخبر السريع الذي يدعم الاعتصام...

مازال يعلق بالذاكرة.. نصف فرخ من الورق كتب عليه بالخط العريض "السادات مخلص.. مخ... لص"... وآخر "العسكري مظلوم في الجيش... يا كل عدس ويلبس خيش" وآخر "سرقوا الكستور م العريانين... سرقوا الدواء م العيانين... هنحارب أمتى مش عارفين..." وأخر "ما تفرحنيش بكربري... والعدو بيبني قبري... أنا مش عايز كباري... أنا عايز عود لدواري" توقيع شاب من السويس (وكان في هذا الوقت قد بدأت موضة الكباري العلوية)...

وآخر "يا مصر.. الوالي بيغشك.. عينه على قرشك... عينه على فرشك..."

كانت مجلات عبقرية متميزة... كلمات مختصرة بسيطة تعبر إلى الهدف والمعنى.... إختفت المقالات الطويلة والتي تميل إلى التحليل... الوقت وقت إ نتفاضة... خير الكلام هنا ما قل ودل.

طوال أيام الخميس والجمعة والسبت تقريبًا كان هناك نقاش طويل أعلنت عنه اللجنة الوطنية العليا من أجل صياغة "وثيقة الحركة الطلابية"... كان النقاش ديمقراطيًا... والمنصة مفتوحة لكل من يرغب في الكلام وعرض وجهة نظره... أيضًا تم الإستيلاء على الإذاعة ومكبرات الصوت وإدارتها بشكل جيد حتى لا يتم تخريب المؤتمر المنعقد بشكل مستمر بالقاعة.... ويحضره بالداخل أكثر من سبعة آلاف طالب.. كان عرسًا ديمقراطيًا...

في الإضرابات والاعتصامات يكون للجماهير قوتها وإبداعها...شيئا عظيمًا لا تحسه إلا وأنت بينهم..

تقريبًا في يوم الأحد ثم قراءة إقتراح بوثيقة الحركة الطلابية... صاغته اللجنة الوطنية العليا تتويجًا لنقاش الأيام السابقة.... أخذ التصويت على الوثيقة وتم الموافقة عليها بإجماع الطلاب.... لأنها عبرت عن روح النقاش الذي دار... تم طباعة الوثيقة ببدروم القاعة وبكميات هائلة... وتم توزيعها على جميع طلاب الجامعة وعلى جميع المناطق المحيطة بالجامعة.... وتم توصيلها لجمع صحف الحكومة والتي أمتنعت عن نشرها... تشكل وفد من اللجنة العليا للطلاب لمقابلة رئيس الجامعة وقتها( دكتور/ حسن إسماعيل: أستاذ الهيدروليكا بكلية هندسة القاهرة).. وكان رجلاً شديد الإحترام... فبعد أن قرأ الوثيقة التي حوت تساؤلات ومطالب الطلاب لم يكتفي بموافقته عليها... بل أصدر بيانًا موقعًا بتوقيعه كرئيس للجامعة بتأييد مطالب الطلاب وتساؤلاتهم المشروعة... وأخذ الطلاب بيان رئيس الجامعة وطبعوه ووزعوه بنفس طريقة توزيع الوثيقة الطلابية...

"سلام مربع للطلاب".....

وفي إعتصام طلاب الجامعة يبرز الفارس والشاعر زين العابدين فؤاد بقصائد الثورة الجميلة:

"أحنا المساجين المساجين... أحنا ولاد مصر الجايين.....

أحنا أخوات الشهداء.. أحنا الشهداء الجايين...

أخواتنا ماتوا على الكباري... وإحنا ولاد نفس الحواري..."

"وعرابي لما أنكسر على الحصان... ما أنهدت الخيل.. ولا قلت الفرسان"

وتبرز أسماء كالقمر في سماء الجامعة والمجتمع... "أحمد عبد الله رزة" و"سهام صبري" قائدان جماهيريان حينما يتحدث أى منهما في قاعة الجامعة ينصت إليهم الجميع... (بجد لو رميت إبرة تسمع رنتها)... إحساس عالي بالبشر... صدق في الكلمات... تتعلم منهما يا من تريد أن تتعلم.. تتعلم فن التحريض... وفن المخاطبة...

ويبرز أبناء الحركة الطلابية كالورد المفتح في جناين مصر:

"أحمد بهاء شعبان – سمير غطاس – شوقي الكردي – محمد الشبه – محمد توفيق – أحمد شرف الدين،

شاكرعرفة – العليمي الخ"

بدأ الاعتصام في صباح يوم الخميس 17/ 1 / 1972 وتم فضه بالقوة الجبرية في فجر يوم الخميس 24 يناير 1972... سبعة أيام هزت مصر كلها... كانت بمثابة عودة الروح... ظللنا من صباح الخميس حتى الثلاثاء تقريبًا نردد كلمة واحدة قاعة ومنصة:

"لن نفض الاعتصام إلا بشرط واحد هو مجيء رئيس الجمهورية هنا إلى القاعة للإجابة عن التساؤلات الطلابية وتلبية المطالب"...

لم تكن هناك خبرة كافية فقد كنا شبابًا في سن العشرين والثلاثة والعشرين عامًا... طبعًا كان هذا شرطًا مستحيلاً... لكن هذا الشرط أطال من عمر الاعتصام وهذا شيء جيد... في صباح الأربعاء عرض على اللجنة الوطنية العليا عرضًا بإرسال وفود من الطلاب لمناقشة أعضاء مجلس الشعب في مطالبهم... أستجابت اللجنة لهذا العرض وطرحته للمناقشة فلاقي ترحيبًا من جماهير الطلاب... وجهزت إدارة الجامعة عدة أتوبيسات لنقل وفود الطلاب إلى مجلس الشعب.. حرصًا على أن يكون الوفد كبيرًا.. فقد كان الوفد يضم كل لجنة وطنية تم إنتخابها من كل كلية (يعني خمسة طلاب من كل كلية)... ركبنا الأتوبيسات (اللجان الوطنية بالكليات مع اللجنة العليا) وظل الاعتصام قائمًا... ذهبنا إلى مجلس الشعب بشارع القصر العيني... دخلنا إلى قاعة مجلس القرع والكوسة.... وكان رئيس مجلس الشعب في ذلك الوقت هو الدكتور جمال العطيفي... ودارت مناقشات حامية بين قادة الطلاب وبين أعضاء مجلس الشعب الذين كانوا يتحدثون بلغة رجال السلطة وحراسها... بينما الطلاب كانوا يتحدثون بلغة الوثيقة الطلابية وضمير الشعب ... أنتزع المتحدثون من قيادات الطلاب التصفيق الحاد حتى من كتلة النواب التي حضرت اللقاء... برز دور أحمد عبد الله وسهام صبري فى هذا اللقاء.... وإنتهى النقاش بطلب متواضع من الطلاب:

"نحن مستعدون لفض الاعتصام فورًا... إذا أخذنا وعدا بنشر الوثيقة الطلابية في الجرايد الحكومية... حتى يعرف الشعب مطالبنا والتي ليست مطالب فئوية للطلاب وإنما هى مطالب عامة تخص المواطنين جميعًا عن حالة اللا سلم واللا حرب وحرية الصحافة والإفراج من المعتدلين... الخ"

صفق رئيس مجلس الشعب والحاضرون معه من النواب... وعدونا بنشر الوثيقة الطلابية في جرائد الصباح... بل زادوا على ذلك وسنذيع نص الوثيقة في نشرة أخبار الحادية عشرة مساءًا.... وقالوا لنا: أتركوا وفدا منكم من ثلاثة أشخاص لكي يرسل الوثيقة للإذاعة ولرؤساء تحرير الصحف...

أنتهى الإجتماع... صفقوا لنا... وصفقنا لهم... وأعتبرنا إننا وصلنا إلى حل مُرضي...تركنا معهم ثلاثة من زملائنا في اللجنة الوطنية العليا من بينهم رئيس اللجنة... رجعنا في الاتوبيسات إلى الجامعة والاعتصام..... (لم نكن نعرف أن هناك خديعة... وثقنا فيهم حينما صفقوا لنا... لم نكن ندري أن لهذه السلطة مخالب شرسة وأن أعضاء مجلس الشعب كانوا أمامنا أظافر ناعمة...)

أعلنا لجميع الطلاب المعتصمين (وكنا في حوالي الساعة العاشرة مساءًا... وكان المعتصمون بالآلاف) ما توصلنا إليه مع أعضاء مجلس الشعب ووعودهم بنشر الوثيقة الطلابية في الصحافة والإذاعة...

أعتبر الطلاب المعتصمون ذلك نصرًا هائلاً بأن تصل مطالبنا للشعب... أعلنا عدم فض الإعتصام إلا بعد حضور زملائنا الثلاثة... أنصرف عدد هائل من المعتصمين... لم يتبقى بالقاعة غير ألف طالب... والذين أنصرفوا اعتقدوا أن الاعتصام حقق نتائجه... فتحنا المذياع على صوت القاهرة... في انتظار نشرة الحادية عشرة... لنستمع للوثيقة الطلابيةحين تذاع ... نشرة عادية كجميع النشرات المملة التي تعودنا عليها... لا شيء عن الوثيقة الطلابية... ولا شيء عن لقاء اللجان الوطنية بأعضاء مجلس الشعب... ولا شيء عن الوفد الذي لديهم... إنها بداية إكتشاف الخديعة... في البداية أتجه تفكيرنا في أنهم اعتقلوا زملاءنا الثلاثة لديهم.. لكن بعد وقت قليل حضر الزملاء الثلاثة... وأعلن أحمد عبد الله لبقية المعتصمين:

إنه عقب إنصراف زملاءنا... قال لنا أعضاء مجلس الشعب ورئيسهم:

ليس أمامكم إلا أن تعودوا وتعلنوا فض الاعتصام!!! والوثيقة لن تنشر في صحف ولن تذاع في إذاعة!!! لقد كانت خديعة...

ولقد كان هدف السلطة من هذه المناورة هو كسب الوقت فعيد الأضحى المبارك على الأبواب خلال أيام قادمة... كان الغيظ يملأ الجميع... آه يا بلد الكدابيين.... افترشنا الأرض في طرقات القاعة... لم يكن أمامنا سوى انتظار مجيء زملائنا في الصباح (الذين أنصرفوا إلى منازلهم بعد أن أعتقدوا أن الإعتصام قد حقق أغراضه) لعرض الأمر عليهم وإتخاذ قرار موحد.. لم نكن ندرك أن لهذه السلطة أنياب... ولم يفكر أحد منا في أن قوات الأمن المركزي تستعد لاقتحام الجامعة وفض الاعتصام بالقوة!!!

رحنا في نوم عميق... كانت هذه الليلة باردة.... كنا ننام على الأرض ونفرد السجاجيد كبطاطين فوقنا لتلافي برد الشتاء... كانت الليلة هي فجر 24 يناير 1972...

وفجأة جاءت مجموعة من فرق الحراسة والنظام من الطلاب... والتي كانت تراقب بوابات الجامعة......... ثلاثة زملاء يصرخون بأعلى صوتهم:

أصحوا يا زملاء... مجنزرة ضخمة بتقتحم باب الجامعة... قفلنا باب الجامعة بالجنزير... لكن المجنزرة تقتحم الباب الآن وخلفها المئات من جنود الأمن المركزي... أخذنا نصحو من النوم... وكل طالب يهز زميله لكي يصحو.. أصحي.. أصحي... الأمن المركزي يقتحم الجامعة.. وقفنا جميعًا في القاعة... ونحن نشاهد العديد من طوابير الأمن المركزي المدججين بالبنادق والرشاشات يقتحمون طرقات القاعة في صيحات همجية...

وقفت على قدماي.. في هذه المرة كنت أرتعش من البرد ومن الخوف أيضًا... إنها معركة حربية... طلاب عزل في مواجهة جحافل مسلحة... (عملتوا إيه في الدنيا دي... آه يا ولادي).. صرخ بعض الطلاب: لا بد أن نقاوم.. لن نستسلم.. أحضروا بعض الشوم والفئوس من مخزن لمعدات الدفاع المدني ببدروم القاعة.. دخل ضابط جنرال برتبة حمار... يعلن أنه العقيد أو العميد الفولي من خلال مكبر الصوت:

"كله يسلم نفسه... كل واحد يرفع أيديه الاثنين لفوق... وتخرجوا من القاعة في طابور فردي... أوعدكم بشرفي أنكم هاتروحوا حالاً على بيوتكم... الأوامر عندي من أعلى الجهات بفض الاعتصام..."

وهنا أمسك زعيمنا وقائدنا أحمد عبد الله رزة ميكرفون المنصة وألقى أجمل الكلمات في الطلاب:

"أيها الشباب... لن نقاوم... ألقوا العصى والفئوس القليلة على الأرض... القوة غير متكافئة... نحن عزل وهم مدججون بالسلاح... نحن أصحاب كلمة وقلم وفكر... نحن أصحاب مبادئ... معركتنا مستمرة معهم... سنراهن على جماهير الطلاب وعلى الحركة الطلابية... قد نستسلم لهم في هذه اللحظة أمام جحافل قواتهم... لكن الحركة الطلابية لن تستسلم ولن تلين... العقيد الفولي... نقول لك لا تحلف بشرفك... لأن أحنا عارفين كويس أنك معندكش شرف... لا أنت ولا السلطات العليا اللي أعطت الأوامر بإقتحام الحرم الجامعي... لو كان عندهم شرف كانوا نفذوا الإتفاق معاهم بنشر وثيقة الطلاب على الرأي العام!!!

"أخواني الطلبة... مشوارنا لسة في أوله... ومادام بدأنا نكمله..."

ورفع أحمد عبد الله يديه إلى أعلى ليشكل أول طابور للمعتقلين... خرجنا جميعًا رافعين الأيدي والرؤوس... وسط الجنود المدججين بالسلاح... خرجنا من القاعة إلى الحرم الجامعي في طابور فردي طويل وشابورة الصباح تملأ المكان... وفجأة أنطلق وبدون ترتيب من أحد وبشكل تلقائي صفير بالفم من أحد الطلاب أتبعه الجميع... نغمة الصفير تنطلق من بين شفاة الألف معتقل... تغرد:

"بلادي... بلادي.. بلادي... لك حبي وفؤادي..."

لم يكن سيد درويش يدرك حينما خلق هذا اللحن الجميل أن ذلك اللحن وعلى نغماته سوف يحشر الطلاب المعتقلين كل 40 فرد في عربة أمن مركزي... وما زالت الشبورة قائمة... ما زال الصفير مستمرًا داخل العربات... خمسة وعشرون عربة تسير في طابور طويل... منطلقة من أمام باب الجامعة إلى تمثال نهضة مصر إلى كوبري الجامعة إلى شارع صلاح سالم إلى معسكر أمن مركزي بالدراسة... طوال الطريق.. لم ينقطع نغمة الصفير "بلادي... بلادي".......... لم نكن نعرف إلى أين نحن ذاهبين؟ بشكل عام نعرف إننا ذاهبون وراء الشمس......... دخلنا إلى أحد إسطبلات الخيول في معسكر الدراسة... مكان فسيح حشرنا فيه ورائحة الروث تنبعث من المكان... والأسطبل له حائط خارجي تتخلله عدة شبابيك .. وعلى كل شباك من الخارج يقف عليه عدد من الجنود مدجيين بالسلاح للحراسة... الشيء الوحيد الذي كنا نعرفه وقت أن وصلنا لمعسكر الأمن المركزي هذا...... أن العقيد الفولي ليس عنده شرف...كانت كلماته ترن في أذن الجميع :

"بشرفي كلكم مروحين حالاً لبيوتكم"!!!

جلسنا في مجموعات متجاورة.. طلبة وطالبات نتجاذب أطراف الحديث... كان السؤال المطروح في ذهن كل منا: ماذا سيفعل زملاؤنا حينما يذهبون إلى الجامعة ويعرفون أننا أعتقلنا في الفجر؟... هل سيتحركون؟!!.. هل سيخافون؟!!... في هذه الليلة لم ننم... في التاسعة صباحًا حضر إلينا أحد الجنرالات بزي مدني وأخذ يحدثنا: "الجامعة فتحت صباح اليوم... الدراسة منتظمة بالجامعة... القاعدة الطلابية سليمة... وأنتوا فعلاً مظلومين... أحنا عايزين منكم فقط 30 طالب... همه المشاغبين... وبعد كده كل واحد هيروح لبيته... وعلى فكرة كل اللي كانوا معتصمين معاكم منتظمين في الدراسة!!!!"

ثم قرأ علينا أسماء الثلاثين المطلوبين... عقب هذه الكلمات أمسكنا جميعًا بأيدي بعض... جعلنا الثلاثين مشاغبًا في وسط الدائرة... أحطناهم كحائط صد... خرج الهتاف الشهير:

"يا نعيش سوا... يا نموت سوا"

... يهز أركان الأسطبل... وأخرج سمير غطاس من جيبه كتيب صغير كان هو نص الدستور المصري وأخذ يقرأ بسخرية:

"حرية الرأي مكفولة للجميع!!! لا يجوز اعتقال مواطن بسبب أرائه ومعتقداته السياسية!!!......... الخ"

لم يستطيعوا أن ينتزعوا طالبًا واحدًا من بين الألف طالب.... تشابكت السواعد... وشكل الألف طالب سلسلة بشرية متصلة... من حين لآخر كان بعضنا يذهب للعساكر على الشبابيك نسألهم:

هل توجد مظاهرات بالخارج؟... وكانت الإجابة جاهزة: الأمور عادية ومفيش أية مظاهرات...

في الواحدة ظهرًا شاهدنا من الشباك أحد الجنود مصابًا ومحمولاً من زملائه وكانوا قادمين به من الخارج لداخل المعسكر...سمعنا أحد الجنود يقول لزميله:

يا عم تعال شيل معايا... المظاهرات مولعة الدنيا برة... المظاهرات وصلت لميدان التحرير.... سرى الخبر كالهشيم وسط الألف معتقل.. تعالت الهتافات:-

"حركة طلابية واحدة... وكلنا يد واحدة.. يا نعيش سوا... يا نموت سوا..."...

استنتجنا إن الستة آلاف طالب الذين غادروا الاعتصام بالأمس على أن الاعتصام حقق أغراضه... قد تحركوا حينما جاءوا في الصباح... وعرفوا أنه تم إعتقالنا في الفجر...

والذي حدث ولم نكن نعرفه أنه بعد إعتقالنا ظهرت جرائد الصباح وطبعًا ليس بها وثيقة الطلاب... وإنما تحتوي على خبر إغلاق الجامعات المصرية لمدة شهر... وأحيطت الجامعة بقوات ضخمة من الجنود لمنع الطلاب من دخول الجامعة ومواصلة الاعتصام... ولما تجمع الطلاب خارج الكردونات العسكرية التي تمنعهم من دخول الجامعة أنطلقوا بالمظاهرات نحو ميدان التحرير... وتم نقل الإعتصام من جامعة القاهرة أو عين شمس إلى ميدان التحرير..... وشكل إعتصامهم كعكعة حجرية من البشر تلف صينية ميدان التحرير...

وكانت أيام الأربعاء والخميس والجمعة(24 ,25, 26 يناير 1972 ) من الأيام الجميلة في تاريخ شعبنا بميدان التحرير... لكننا كنا في هذه الأيام الحلوة داخل الاسطبل خلف الأسوار... لكن قلوبنا كانت في التحرير... واصحى أصحى يا جماهير... ورد بلادك في التحرير...

عند المغرب جاء إلينا الجنرال الكداب مرة ثانية... وأعترف في حديثه بأن هناك مظاهرات من أجلنا في ميدان التحرير... وأنه صدر قرار بالإفراج عنا... تم تجميعنا في الـ 25 عربة أمن مركزي مرة ثانية.. كل 40 في عربة.... سارت العربات إلى مبنى مكون من عدة طوابق يحيط به فناء.. عرفنا بعد ذلك أنه معهد أمناء الشرطة بمنطقة سجون طره...

كل 40 طالب أدخلوا في عنبر من عنابر المبني بأحد الطوابق... كل عنبر به أسرة نظيفة... أحضروا لنا طعام من مربى وعسل نحل وبيض وجبن... أعتبرنا أن ذلك من مقدمات الإفراج (أسرة وطعام جيد)...... وكان الأمر كذلك...... لكن أمورهم دائمًا لا تخلو من خديعة... لماذا تم نقلنا من الإسطبل إلى عنابر معهد أمناء الشرطة؟

في الإسطبل تشابكت الأيادي وكون الألف معتقل سلسلة بشرية لم يتمكنوا من خلالها انتزاع الثلاثين طالبًا... (كان بالطبع يمكن إنتزاعهم بالقوة.... ولكن بمعركة سوف يسقط فيها ضحايا من الطرفين)...

أما في معهد أمناء الشرطة والذي يتكون تقريبًا من سبعة طوابق...فإنه تم تفريقنا على مجموعات متباعدة ليسهل عليهم إنتزاع الثلاثين من بيننا...

جلسنا نأكل الطعام بعد يوم من العناء الطويل... وهنا سمعنا صوتًا جميلاً من الطلاب وقف يغني على شباك أحد العنابر... توجهنا ناحية الشبابيك... عرفنا أننا في مكان واحد لكننا متفرقين داخل العنابر.... صاح زميلنا:

"ومنين أجيب ناس... لمعاني الكلام يتلوه... الطالب في البلد دي...

لما أتكلم يا ناس أعتقلوه... الحادثة اللي جرت... على شاب مصراوي...

الأسم طالب... لكن في الأصل مصراوي... مواله شعبه... وشعبنا ظلمووووووه.....

وأسترسل في الموال بنفس طريقة محمد رشدي في موال أدهم الشرقاوي لكنه قد قلبه على الطلاب وقال:

"الطالب دخل المعتقل سنة تمنتاشر... وقعد في المعتقل لما بلغ مية وتمنتاشر... وفي السن ده جاله خبر أنور" زعق الطلاب من الشبابيك: أنت عايزنا نعقد هنا 100 سنة كمان.... ورد آخر: وعايز أنور السادات يحكمنا 100 سنة كمان"!!!!!!!!!

"ولم يدرك الطلاب وقتها أن هناك حاكمًا سيأتي ليحكمنا أكثر من ربع قرن و... وياعالم"

كانت ليلة جميلة وكان مصدر جمالها إن زملاءنا يواصلون القضية في الشارع في ميدان التحرير.. وعرفنا أن أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام نزلا إلى إعتصام ميدان التحرير......

وهنا فقط عرفت من هو أحمد فؤاد نجم الذى وجدت قصيدته تحت النخلة (رطب نجم ).... وقرأنا بعد ذلك عندما أفرج عن الجميع قصيدة الكعكة الحجرية للشاعر العظيم أمل دنقل... وقرأنا أيضًا البيانات السبعة لإعتصام التحرير... شاهدتها مع من شاركوا في الاعتصام... كان العنوان دائمًا (بيان رقم 1) أو (بيان رقم 5)... وكل بيان لا يزيد عن سبعة سطور تم كتابتها بالورق والكربون... تحوي مطالب سريعة مثل الإفراج عن الطلاب المعتقلين... حرية الصحافة... رفض حالة اللا سلم واللا حرب.....

غنى إمام ونجم مع المعتصمين" جيفارا مات "... الحياة تتفتح... والجسور تتلاحم... وأخرج نجم وإمام قصائد وأغنيات جديدة:

"رجعوا التلامذة... يا عم حمزة للجد تاني... رجعوا التلامذة ورد الجناين"

وكان أشهر الشعارات للطلاب في ميدان التحرير:

"العيد ده مش عيدنا... دا بياكلوا ف لحم أخواتنا... يا نعيش أحرار في بلدنا.... يا نموت ويا أخواتنا"

كنا من حي داير الناحية أربعة طلاب من كلية الهندسة نشارك في الاعتصام: "شاكر عرفة – سمير الشربيني – عبده مصطفى – كمال خليل".... عبده مصطفى شارك طوال أيام الاعتصام وأنصرف في ليلة الخديعة مع الستة آلاف طالب (ليلة اللقاء مع أعضاء مجلس الشعب)...... أما نحن الثلاثة تم إعتقالنا مع الألف طالب... كنا دائمًا نسير خلف بعض... ونحرص على أن نكون في عربة واحدة... وأيضًا حرصنا على أن نكون في عنبر واحد داخل معهد أمناء الشرطة.. كنا نتوقع أن نكون نحن الثلاثة من الثلاثين المطلوبين...

دخل على عنبرنا أحد الضباط ونادي على أسم (محمد توفيق) وأخذوه من بيننا جميعًا، وخرج توفيق وهو ينشد قصيدة محمد درويش:

"وطني يعلمني حديد سلالي.. عنف النور... ورقة المتفائل... ما كنت أعلم أن تحت جلودنا... ميلاد عاصفة... وعرس جدائلي..."

وكان توفيق من أبرع رسامي الكاريكاتير... وكان من أبرز أعضاء جماعة أنصار الثورة الفلسطينية... فقد كان قادرًا على عمل معرضًا كاملاً بالرسومات والأشعار والأفكار عن قضية ما خلال نصف ساعة، وكان يصنعها أمامنا في ساحة الكلية بعدة زجاجات من الحبر ذو الألوان المختلفة وبضعة أخشاب من البوص وقطع قليلة من القطن... كان شخصًا دمثًا رقيقًا تحس فيه بالأخلاص... كان من محافظة الدقهلية... كان فقيرًا فقيرًا... لذلك كنت أحس أنه من أبناء داير الناحية.... واحد من نفس طبقتنا... (أين أنت يا توفيق الآن؟... كم أحبك وأفتقدك)... بعدما أخذوا توفيق... رجع الجنرال ثانية... ونادي: شاكر عرفة... فودعنا شاكر وذهب معهم... أما أنا فكنت متأكدًا أن الجنرال سيعود ثانية... وينادي كمال خليل... لكن ذلك لم يحدث... جلسنا أنا وسمير الشربيني على الأسرة والدموع في عيوننا... لقد أخذوا توفيق ثم شاكر... عرفنا وقتها لماذا فرقونا وتمت تجزئتنا في هذه العنابر اللعينة!!!! لقد اقتطعوا من جسدنا الثلاثين...

وطوال الليل كنا نأخذ أربعين أربعين إلى مبنى في وسط القاهرة عرفنا فيما بعد أنه مبنى مباحث أمن الدولة بلاظوغلي... في الدور الرابع كان يجلس جنرال مع الأربعين القادمين من معهد أمناء الشرطة ويلقى عليهم نفس الأسطوانة المشروخة:

"القاعدة الطلابية سليمة... فيه مخطط أجنبي ضد مصر... الثلاثين اللي أخذناهم طلعوا عملاء لكوريا الشمالية... وبتوع كيم أيل سونغ... دول مخربين... دول شيوعيين... أنتو ناس وطنيين.. علشان كدة أفرجنا عنكم... ومش في كل مرة بتسلم الجرة... وبصوا بقى لدراستكم وأهاليكم... ولما تتخرجوا أبقوا أعملوا اللي أنتو عايزينه... الطالب طالب علم فقط"

وكنا جميعًا نستقبل تلك الكلمات بإستهجان... ونقول لهم... الثلاثين اللي أتاخدوا مننا أشرف ناس...

وها تشوفوا... بس لما الجامعة تفتح...


الى اللقاء مع الحلقه القادمه : سجن القلعه و الاستئناف

حكايات من زمن فات

حكايات من زمن فات
اضغط على الصورة لتحميل الكتاب

حكايات من زمن جاى

حكايات من زمن جاى
اضغط على الصورة لتحميل الكتاب

قاوم يا فتى

قاوم يا فتى
اضغط على الصورة لتحميل الكتاب

أوراق عمالية

أوراق عمالية
اضغط على الصورة لتحميل الورقة